تقرير ثمانية آلاف مبتور في غزة… والأطراف الصناعية حبيسة المعابر

ثمانية آلاف مبتور في غزة… والأطراف الصناعية حبيسة المعابر

 

تقرير - شهاب

في مركز الأطراف الصناعية والشلل بغزة، يمرّ يوميًا ما بين 40 و50 مريضًا على قاعة الفحص، أربعة من كل عشرة منهم أطفال. الرقم ليس تقديرًا صحفيًا، بل ما قالته المديرة بالإنابة للمركز نيفين الغصين إن هؤلاء الأطفال «يحتاجون إلى أطراف صناعية». الطلب حاضر يوميًا، أما العرض فمتوقّف عند حدود المعابر.

أحد هؤلاء الأطفال محمد أكرم أبو عكر، ثماني سنوات، بُترت ساقه اليمنى بشظايا قذيفة مدفعية. رُكّب له طرف صناعي فوق الركبة خارج القطاع، ثم أُعيد إلى غزة قبل استكمال برنامج التأهيل — وهو ما يعنيه والده أكرم أبو عكر حين يقول إن ابنه «كان يحضر جلسات التأهيل والتدريب على المشي ليتعلم كيفية استخدام الطرف الصناعي». عودةٌ مبكرة تعني، عمليًا، طرفًا لا يُحسن صاحبه استعماله.

 

رقم يتحرك صعودًا

التقدير الأوسع تداولًا هو تقدير منظمة الصحة العالمية مطلع أكتوبر 2025: بين 5 و6 آلاف عملية بتر، ضمن نحو 42 ألف إصابة «مغيّرة للحياة». غير أن الرقم لم يثبت. ففي 9 أغسطس 2026، أعلن حمد نعيم، مدير عام مستشفى حمد للتأهيل والأطراف الصناعية، ارتفاع العدد إلى «نحو 8 آلاف حالة منذ بدء الحرب»، وأن الأطفال يشكّلون نحو 25% منها والنساء نحو 12.5%.

الفجوة بين التقديرين ليست تناقضًا بالضرورة: تقدير المنظمة الدولية يعود إلى أواخر 2025، بينما يستند رقم نعيم إلى سجلات مركزية أحدث. لكن كليهما يقود إلى الاستنتاج نفسه: العدد يتقدّم بوتيرة أسرع من قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة.

 

خط إنتاج بلا مادة خام

جوهر الأزمة ليس نقص الأسرّة، بل نقص «الليّنر» والجبس واللدائن الحرارية والسيليكون. يقول حمد نعيم إن القطاع «لم يستقبل أي مواد خام مخصصة لتصنيع الأطراف الصناعية منذ بدء الحرب»، ولذلك لم يتمكن مستشفاه من تركيب سوى 135 طرفًا صناعيًا، فيما ينتظر نحو 600 مصاب أنهوا كل مراحل التأهيل وباتوا جاهزين للتركيب.

منظمة «الإنسانية والإدماج» (Humanity & Inclusion) أعلنت في 22 أبريل 2026 أنها ممنوعة منذ فبراير 2025 من إدخال الأطراف والمستلزمات إلى القطاع، وأن دخول أي مادة يبقى «غير قابل للتنبؤ، وخاضعًا بالكامل لموافقة السلطات الإسرائيلية»، محذّرة من أنه «دون تحسّن فوري في الوصول إلى المواد والخبرة الفنية وحركة المرضى، سيستمر عدد المبتورين وشدة حالاتهم في الارتفاع». وبحسب تقارير رسمية كانت 18 شحنة تنتظر التخليص بتأخير يتراوح بين 130 و520 يومًا.

النتيجة رقمية أيضًا: من بين نحو 2,300 مبتور جرى تقييمهم بين سبتمبر 2024 ومايو 2026، حصل أقل من 25% — نحو 500 شخص فقط — على أطراف صناعية دائمة.

 

تسعة اختصاصيين لثمانية آلاف مبتور

إلى جانب المادة، ثمة نقص في اليد المتخصصة. التقديرات المنشورة تتحدث عن 8 إلى 9 اختصاصيي أطراف صناعية في القطاع كله.

 وللمقارنة، يقول باتريك جريفيث، المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إن «المعايير العالمية تشير إلى الحاجة إلى أخصائي أطراف صناعية واحد لكل 250 إلى 300 مبتور». وفق هذا المعيار، تحتاج غزة إلى ما لا يقل عن 27 اختصاصيًا.

ويوضح فادي المدهون، مدير الأنشطة الطبية في «أطباء بلا حدود»، أن المنظمة تقدّم خدمات تأهيل «لكننا لا نملك أخصائيي أطراف صناعية في الموقع لتقديم خدمات التصنيع».

القيود التقنية تترجَم إلى استبعاد فئات كاملة. المصاب عارف الغول، الذي بُترت ساقه فوق الركبة، نُقل عنه في تقرير «يورونيوز» بالعربية (يوليو 2026) قوله: «قالوا لي إن الحالات فوق الركبة لا يمكن تركيب أطرافها هنا». ووفق التقرير ذاته، تشكّل حالات البتر فوق الركبة نحو 32% من مجموع الحالات.

 

الطفل الذي ينمو

للبتر عند الأطفال خصوصية طبية تجعل التأخير أكثر كلفة: الطرف الصناعي عند الطفل ليس شراءً لمرة واحدة، بل التزام يمتد سنوات، إذ يستوجب النمو استبدال الطرف أو تعديله دوريًا. وطفلٌ يعيش عامًا أو عامين دون طرف مناسب لا يخسر الحركة فحسب، بل يدخل في مضاعفات هيكلية وعضلية يصعب تداركها لاحقًا.

الجانب النفسي موثّق كذلك. في تقرير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان (سبتمبر 2025)، روت ساجدة البابا عن ابنها رجب (8 أعوام)، الذي فقد ساقه اليمنى، أنه «استيقظ ليجد نفسه بلا ساق»، وأنه يعاني هشاشة عظام شديدة. ويورد التقرير حالة الطفلة ريتال (7 أعوام) التي بُترت يدها، ويشير إلى أن 83% من ذوي الإعاقة في القطاع حُرموا من الوصول إلى الأجهزة المساعدة.

الأزمة قابلة للقياس بثلاثة مؤشرات لا أكثر: كمية المواد الخام الداخلة شهريًا، عدد الاختصاصيين العاملين، وعدد المرضى المحوَّلين للعلاج خارج القطاع. وما دامت هذه المؤشرات الثلاثة عند مستوياتها الحالية، فإن قائمة الانتظار البالغة 600 اسم في مستشفى واحد ليست ذروة الأزمة، بل مقدمتها.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر