تقرير - شهاب
في الحادي عشر من أغسطس/آب 2025، خرج الطفل أحمد أبو عواد (15 عامًا) مع آلاف الغزيين نحو نقطة «موراغ» بين رفح وخان يونس، باحثًا عن كيس طحين يُطعم به إخوته. لم يعد. تقول والدته سوسن الرقب إنها لم تترك مؤسسة معنية بالأسرى والمفقودين إلا وقصدتها، وسألت الأسرى المحررين عن ابنها، دون أن تصل إلى أي معلومة عن مصيره. عبارتها الأقصر هي الأشد وقعًا: «لا أدري ما حال طفلي».
في مخيم جباليا، تعيش الحاجة أم محمود شعبان الحكاية ذاتها منذ ديسمبر/كانون الأول 2023. تقول إن السؤال الواحد يتكرر في ذهنها كل صباح ومساء: أين محمود؟ وإن غياب الإجابة الواضحة هو الجزء الأصعب في المحنة، وإن كل خبر عن مفقود عُثر عليه يعيد إليها شيئًا من الأمل.
بين هاتين الأمّين، وآلاف غيرهما، يقع ملف يوصف بأنه الأكثر تعقيدًا في تركة الحرب على قطاع غزة: ملف المفقودين.
رقم بلا حدود واضحة
لا توجد حتى اليوم حصيلة نهائية متفق عليها. ففي أبريل/نيسان الماضي، أعلنت وزارة العدل الفلسطينية أن أكثر من 11 ألفًا و200 فلسطيني يُعدّون في عداد المفقودين أو المختفين قسرًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم أكثر من 4700 امرأة وطفل. وقبل ذلك، كان المكتب الإعلامي الحكومي قد قدّر العدد بنحو 9 آلاف و500، بين من لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض ومن بقي مجهول المصير.
وعشية اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، قدّم «المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا» تصنيفًا أدق. فقد قدّر المركز عدد المشتبه بتعرضهم للاختفاء القسري بنحو 2500 إلى 3000 شخص، استنادًا إلى دراسة تحليلية على عينة من 317 حالة قال إنها تكشف مؤشرات على نمط أوسع يستدعي التحقيق، وقدّر في المقابل وجود ما بين 4000 و5000 مفقود يُعتقد أنهم تحت أنقاض المباني المدمرة، مشددًا على ضرورة عدم الخلط بين الفئتين. وأوضح المركز أن الدراسة تستند إلى بلاغات العائلات وحالات وثّقها ميدانيًا، ولا تمثل جميع حالات الفقد في القطاع.
هذا التمييز جوهري صحفيًا وقانونيًا: فالمفقود تحت الركام مسألة معدّات وزمن، أما المخفي قسرًا فمسألة مسؤولية دولة.
تحت الركام: 381 ساعة عمل مقابل 233 جثمانًا
في التاسع عشر من يوليو/تموز الماضي، أطلق الدفاع المدني المرحلة الثانية من مشروع «استعادة جثامين الشهداء». وحُددت لهذه المرحلة مدة زمنية تصل إلى 400 ساعة عمل، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسط نقص حاد في المعدات الثقيلة والوقود.
النتيجة بعد شهر ونيّف تلخّص حجم العجز. فقد أعلن العقيد محمد أبو دان، المشرف على المشروع، انتشال جثامين ورفات 233 فلسطينيًا من أصل 407 مفقودين تحت أنقاض 20 منزلًا فقط، بينهم 73 طفلًا و106 نساء، بعد 381 ساعة عمل. أي أن أكثر من ثلث من كانوا تحت تلك المنازل العشرين ظلّوا في مكانهم.
وشهد الشهران الماضيان مشهدين لن تنساهما غزة. في الرابع من أغسطس، شُيّع 112 شهيدًا من عائلتي أبو شريعة والحساينة، انتُشلوا بعد 136 ساعة عمل شاق امتدت نحو أسبوعين بإمكانات محدودة، بعد نحو ثلاث سنوات تحت ركام مربعهم السكني في حي الصبرة.
وفي العشرين من أغسطس، شُيّع 50 جثمانًا جُمعت في ساحة مجمع الشفاء الطبي بعد انتشالها من تل الهوى والزيتون والصبرة والشيخ رضوان والشاطئ، تعود لعائلات السوافيري والبطنيجي وغربية، وسط منع الاحتلال إدخال المعدات الثقيلة التي تحتاجها الفرق.
أما حجم العائق فيُقاس بالأطنان. تشير التقديرات الرسمية إلى نحو 8500 مفقود تحت ركام قُدّر وزنه بـ61 مليون طن، فيما كشفت وزارة الصحة أن 80 مليون طن من الركام باتت تعيق رسميًا عمليات الانتشال، وشددت على الحاجة الملحّة لآليات ثقيلة ومعدات حماية.
وثمة خطر إضافي: إذ حذّر المرصد الأورومتوسطي من أن استخدام الكسارات والآليات الثقيلة قبل أي معاينة جنائية مستقلة قد يسحق رفات آلاف المفقودين أو يخلطها بالركام وينقلها إلى أماكن مجهولة، بما يحرم عائلاتهم من معرفة مصيرهم أو دفنهم بكرامة.
المخفيون قسرًا: أين اختفوا؟
تكشف عيّنة المركز الفلسطيني عن أنماط متكررة لا عن حوادث عشوائية. فقد شكّل الذكور 302 حالة بنسبة 95.27%، مقابل 15 أنثى، وشملت العينة 41 طفلًا و17 شخصًا تجاوزوا الستين. وسجّلت محافظة غزة العدد الأكبر بـ89 حالة، تلتها شمال غزة بـ74، فخان يونس بـ59، ثم الوسطى بـ37 ورفح بـ32.
أما ظروف الاختفاء فتُقرأ كخريطة للحياة اليومية تحت الحرب: 76 حالة خلال اقتحام القوات الإسرائيلية للمنازل وحصار الأحياء، و60 أثناء محاولة العودة إلى المنازل أو جلب مستلزمات، و42 خلال النزوح أو المرور عبر الحواجز العسكرية، و39 أثناء البحث عن الغذاء أو انتظار المساعدات، إضافة إلى 22 حالة مرتبطة بحصار أو اقتحام منشآت طبية ونقل مرضى، و10 حالات أثناء العمل الصحفي والميداني.
قصة محمود عطا الله الدريملي تختصر هذا النمط. فُقد الشاب في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أثناء محاولته العودة من جنوب القطاع إلى شماله بعد فترة نزوح، وانقطعت أخباره تمامًا دون أي معلومات رسمية. يقول والده نافذ إن العائلة تواصلت عشرات المرات مع الصليب الأحمر وقدّمت بلاغات رسمية وسألت الأسرى المحررين: «طرقنا كل الأبواب»، دون أي نتيجة.
ثم جاء الخبر من حيث لا يُنتظر: صورة نشرتها مجندة إسرائيلية على حسابها، ظهر فيها محمود مكبّل اليدين معصوب العينين. تصف الأم اللحظة بأنها من أقسى ما عاشته: «ارتاح قلبي لأنني شعرت أن ابني ما زال حيًا»، قبل أن ينكسر القلب لمشهد القيد والعصابة.
الجثامين المُعادة… وحسابات لا تُغلق
يزداد الملف تعقيدًا عند نقطة التعرّف على الهوية. فقد أفاد مسؤول الملف بأن الاحتلال سلّم جثامين على مدار سبع أو ثماني دفعات وفق بنود وقف إطلاق النار دون تزويد الجهات الفلسطينية بأي قوائم أو تفاصيل، وأن الطواقم المختصة لم تتمكن من التعرف إلا على 101 جثمان من أصل ما استُلم، أي نحو 27% فقط، بسبب غياب الإمكانات.
وتؤكد المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين أن استمرار عرقلة إدخال معدات التعرف الجنائي، ومنها أدوات تحليل الحمض النووي، يقوّض ثلاثة حقوق أساسية للعائلات: معرفة المصير، ودفن الجثامين بشكل لائق، وتحقيق العدالة.
وعلى الجانب الآخر، لا تزال أبواب الاحتجاز مغلقة. فقد أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها سهّلت منذ 2023 نقل أكثر من 2700 معتقل أُفرج عنهم، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى المعتقلين في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، مطالِبةً بإبلاغها بمصير جميع المعتقلين وأماكن وجودهم.
وسبق أن أكدت أماني الناعوق، المتحدثة باسم اللجنة في غزة، وجود آلاف الفلسطينيين في عداد المفقودين، ومواصلة العائلات البحث عن معلومات عن أقاربها. كما دعا بات جريفيث، المتحدث باسم اللجنة، إلى إدخال مزيد من المعدات الثقيلة وتمكين طواقم الدفاع المدني من البحث عن جثامين الضحايا.
أطفال بلا أثر
الفئة الأشد هشاشة هي الأطفال. فقد صعّد المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا تحركاته الدولية عبر مراسلات وجّهها إلى نواب في البرلمان الأوروبي ومنظمات حقوقية، تضمنت وثائق تفصيلية عن أعداد الأطفال المفقودين والمسارات التي اختفوا فيها: تحت الركام، أو في محيط مراكز توزيع المساعدات، أو خلال تنقّلهم في مناطق خطرة بحثًا عن الغذاء والحطب أو لتفقّد منازلهم المدمرة.
من جانبه يطالب المركز الفلسطيني بالكشف عن مصير جميع المفقودين، وضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى المحتجزين، وإنشاء آلية دولية مستقلة للتحقيق في حالات الاختفاء القسري ومحاسبة المسؤولين عنها. وتستند هذه المطالب إلى تعريف صريح: فالاختفاء القسري وفق الأمم المتحدة هو اعتقال أو احتجاز أو اختطاف شخص على يد سلطات الدولة أو جهات تعمل بدعمها، يعقبه رفض الاعتراف بحرمانه من حريته أو الكشف عن مصيره.
في السجلات، يظل هؤلاء رقمًا معلّقًا بين خانتين. أما في البيوت، فلهم أسماء ومقاعد فارغة وهواتف تُفتح كل ليلة على أمل رسالة. لم تنتهِ الحرب بالنسبة لعائلات آلاف المفقودين؛ فبينما هدأت أصوات القصف في بعض المناطق، بقي في ذاكرة الأسر سؤال واحد لا إجابة له: أين أبناؤنا؟
