بقرار من جهة عليا ..

من لعبة كرة في مسافر يطا إلى زنزانة "إسرائيل".. مستوطنون يعتدون على ناشط بريطاني قبل ترحيله

لم يكن الطالب البريطاني فين جوغين، البالغ من العمر 22 عامًا، يتوقع أن تنتهي مشاركته في برنامج للتضامن مع الفلسطينيين في مسافر يطا بالاحتجاز والترحيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدما وجد نفسه في مواجهة مستوطنين مسلحين، ثم داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية.

عاد جوغين إلى لندن وهو يحمل رواية صادمة لما يقول إنه تعرض له في قرية أم الخير جنوب الخليل، حيث كان موجودًا بصفته متطوعًا دوليًا ضمن ما يعرف بـ"الحضور الوقائي"، وهو نشاط يشارك فيه متطوعون أجانب إلى جانب الفلسطينيين في المناطق التي تتعرض لاعتداءات المستوطنين.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى 29 أغسطس/آب، عندما كان جوغين يلعب كرة القدم مع أطفال فلسطينيين في القرية، قبل أن يصل عدد من المستوطنين الشبان والمراهقين إلى المكان ويحاولوا السيطرة على الملعب.

ومع ارتفاع حدة التوتر، وصل عدد من الأهالي الفلسطينيين ومتطوعون دوليون إلى المكان في محاولة للفصل بين الطرفين، إلا أن المجموعة الاستيطانية تحركت لاحقًا باتجاه منزل فلسطيني، وبدأت بمحاولة فتح بوابته وتفكيك السياج المحيط به.

كان جوغين يوثق المشهد بهاتفه، ثم وقف أمام السياج في محاولة لمنع اقتلاعه، قبل أن يتحول هو نفسه إلى هدف للاعتداء، بحسب روايته؛ إذ يقول إنه تعرض للركل والدفع واللكم، قبل أن يمسك به عدد من المستوطنين ويقتادوه بالقوة إلى داخل البؤرة الاستيطانية.

داخل البؤرة، يقول جوغين إنه أُدخل إلى مبنى إسمنتي، بينما كان يحرسه أربعة أو خمسة رجال مسلحين ببنادق هجومية، قبل أن تتم مصادرة هاتفه ومحفظته ويُطلب منه إبراز جواز سفره.

ولم يتوقف الأمر عند الاحتجاز، إذ يقول إن المستوطنين وجهوا إليه اتهامات وطرحوا عليه أسئلة بشأن علاقاته ومواقفه السياسية، من بينها اتهامه بأنه "متمرد" وسؤاله عن علاقته بأشخاص في إيران.

وبعد ذلك وصلت قوة من جيش الاحتلال إلى المكان، لينتقل جوغين من قبضة المستوطنين إلى الاحتجاز الإسرائيلي، بعدما قال للجنود إنه تعرض للاختطاف والاعتداء.

لكن، بحسب روايته، لم يتعامل الجنود معه باعتباره ضحية لاعتداء، بل تعرض للصراخ والإهانات قبل نقله إلى مركز شرطة في مستوطنة "كريات أربع".

هناك بدأت مرحلة أخرى من القصة، اتخذت فيها الواقعة مسارًا قانونيًا انتهى بترحيله بدلًا من محاسبة من يقول إنهم اعتدوا عليه.

يقول جوغين إن محامية أبلغته في البداية بأن الشرطة تحقق معه بشبهة الاعتداء، وإنها شاهدت تسجيلات مصورة للواقعة من زوايا متعددة، وطلبت منه التمسك ببراءته والتأكيد على وجود شهود ومقاطع توثق ما جرى.

وفي مرحلة لاحقة، أُبلغ بأنه قد يُفرج عنه بشرط عدم دخوله الضفة الغربية مجددًا خلال فترة وجوده، قبل أن تتغير الأمور بصورة مفاجئة، ويُقال له إن "جهة عليا" قررت إبقاءه محتجزًا. ثم جرى توقيفه رسميًا ونقله مكبلًا إلى محكمة الصلح في القدس المحتلة، إلا أن القضية، لم تصل إلى مرافعة قضائية فعلية؛ إذ اتفقت النيابة ومحاميته على مسار ينتهي بترحيله من البلاد.

وبعد ذلك نُقل إلى مركز احتجاز للمهاجرين قرب مطار اللد، حيث يقول إن الأسئلة التي وجهها إليه المحققون لم تتركز فقط على حادثة أم الخير، وإنما امتدت إلى أسباب وجوده في الضفة الغربية، ومواقفه من "إسرائيل" والحرب على غزة وإيران.

وفي نهاية المطاف، وقع جوغين أوراق ترحيله وتنازل عن حقه في الاستئناف، بعدما أُبلغ بأن الطعن قد يعني إبقاءه في السجن أيامًا إضافية، مع منعه من العودة إلى الأراضي المحتلة لمدة 10 سنوات.

وخلال إقامته القصيرة في أم الخير، يقول جوغين إنه شاهد بنفسه مظاهر هذا الضغط الممارس من جيش الاحتلال والمستوطنين بحق سكان القرية ؛ من إقامة بؤرة استيطانية جديدة بالقرب من أحد المنازل، إلى وضع أسلاك شائكة قرب مداخل المنازل، وصولًا إلى قيود يقول إن جيش الاحتلال يفرضها على حظائر الأغنام والماعز.

وكان جوغين قد زار منطقة التواني القريبة في 20 أغسطس/آب، قبل أن يعود إلى أم الخير في 27 من الشهر نفسه ويمضي فيها ليلتين، بعدما تعرف إلى واقع سكان المنطقة من خلال برنامج تعليمي وحقوقي.

وحذره فلسطينيون من احتمال تعرض القرية لهجمات من المستوطنين، لكنه يقول إنه لم يتوقع أن يتحول وجوده نفسه إلى مواجهة تنتهي باحتجازه وترحيله.

وتكتسب رواية جوغين أهمية تتجاوز حادثته الشخصية؛ فهو لم يكن موجودًا في أم الخير بصفته ناشطًا مسلحًا أو طرفًا في مواجهة، وإنما كمتطوع دولي يقول إن دوره كان مراقبة الواقع ومساندة الفلسطينيين في منطقة تواجه اعتداءات متكررة من المستوطنين.

لكن وجوده في المكان انتهى، بتحويله من شاهد يوثق ما يحدث إلى شخص محتجز ومتهم، ثم إلى أجنبي مُرحّل ممنوع من العودة لمدة عقد كامل.

وتعيد قصته تسليط الضوء على طبيعة "الحضور الوقائي" الذي يلجأ إليه متطوعون دوليون في عدد من مناطق الضفة الغربية، في محاولة لتوفير وجود أجنبي قد يحد من اعتداءات المستوطنين أو يوثقها عندما تقع.

وفي أم الخير، لا تبدو المواجهة بالنسبة للفلسطينيين محصورة في حادثة ملعب أو سياج منزل؛ فالمشهد الأوسع يتمثل في صراع متواصل على الأرض، تتداخل فيه الاعتداءات الاستيطانية مع أوامر الهدم وقيود البناء والتوسع الاستيطاني.

من جهتها، قالت وزارة الخارجية البريطانية إنها قدمت دعمًا قنصليًا لجوغين خلال احتجازه، وإنها كانت على اتصال بعائلته والسلطات الإسرائيلية.

وأكدت الحكومة البريطانية أنها تواصل الضغط على "إسرائيل" بشأن عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، مشيرة إلى أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وبعد عودته إلى لندن، بدأ جوغين توثيق الإصابات التى تعرض لها، كما تواصل مع محامين وباحثين قانونيين لبحث الخطوات المقبلة، بما في ذلك إمكانية طرح قضيته أمام جهات دولية وبرلمانية.

ويستعد جوغين لمواصلة تحركه القانوني، بالتزامن مع جلسة قضائية مقررة في سبتمبر/أيلول بشأن أمر هدم موقوف التنفيذ في المنطقة، معتبرًا أن معركته لم تعد تتعلق بما تعرض له وحده، وإنما بما يواجهه الفلسطينيون في أم الخير من خطر اقتلاع متواصل.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر