في تصريح نادر يكشف جانبًا من حرب الاستخبارات الدائرة بين الولايات المتحدة والصين، أقر الرئيس الأميركي دونالد ترامب علنًا بأن واشنطن تتجسس على بكين، مبررًا ذلك بأن الصين تقوم بالمثل، وذلك بالتزامن مع التحضيرات لزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى الولايات المتحدة في 24 سبتمبر/أيلول الجاري.
وقال ترامب، خلال مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن الصين «تتجسس علينا»، مضيفًا: «نحن نتجسس عليهم أيضًا»، في إشارة مباشرة إلى النشاط الاستخباراتي المتبادل بين القوتين. وكان ترامب قد أدلى بتصريح مماثل خلال زيارته إلى الصين في مايو/أيار الماضي، مؤكدًا أن البلدين يمارسان أنشطة استخباراتية ضد بعضهما بعضًا.
ولم يتعامل ترامب مع الأمر باعتباره استثناءً أو اتهامًا منفردًا لبكين، بل قدمه باعتباره جزءًا من طبيعة العلاقة بين القوتين، قائلًا إن «كل طرف يفعل أشياء للطرف الآخر»، وإن الصين والولايات المتحدة تمارسان هذا النوع من الأنشطة منذ سنوات طويلة.
ويأتي الاعتراف الأميركي في وقت تستعد فيه واشنطن لاستقبال شي جين بينغ في 24 سبتمبر/أيلول، في أول زيارة مرتقبة للرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة خلال الولاية الثانية لترامب. وكان ترامب قد أعلن موعد الزيارة في يوليو/تموز الماضي، موضحًا أن الذكاء الاصطناعي سيكون من أبرز الملفات المطروحة على جدول المباحثات.
وتتجاوز أهمية تصريحات ترامب مجرد الاعتراف بوجود تجسس متبادل، إذ تأتي في وقت تتسع فيه المواجهة الاستخباراتية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين، خصوصًا في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والاتصالات.
وفي الأسابيع الأخيرة، اتهم مسؤولون في إدارة ترامب شركات صينية بجمع معلومات استخباراتية من خلال معدات مخفية على متن سفن تجارية، فيما تحدثت تقارير أميركية عن مخاوف متزايدة من استخدام القدرات الصينية في جمع المعلومات والتأثير في الأنظمة والبنية التحتية الأميركية.
كما اتهمت واشنطن الصين بمحاولات الحصول على بيانات وقدرات متقدمة من نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية، بينما رفضت بكين هذه الاتهامات ووصفتها بأنها لا أساس لها، محذرة من استخدام الأمن القومي ذريعة لاحتواء تطورها التكنولوجي.
وفي المقابل، فإن الحديث الأميركي عن التجسس ليس جديدًا بالكامل؛ فقد كشفت تقارير سابقة عن عمليات استخباراتية أميركية ضد الصين، كما أظهرت وثائق سابقة قدرة أجهزة الاستخبارات الأميركية على اختراق شبكات صينية، بما فيها شبكات مرتبطة بقطاع الاتصالات.
ويكشف تصريح ترامب، في هذا السياق، عن انتقال ملف ظل لعقود جزءًا من العمل السري لأجهزة الاستخبارات إلى الخطاب السياسي العلني، خصوصًا أن الرئيس الأميركي لم ينفِ ممارسة التجسس، بل اختار تبريرها بمنطق المعاملة بالمثل.
ويضع هذا الاعتراف العلاقات الأميركية الصينية أمام مفارقة واضحة؛ فبينما تستعد واشنطن وبكين للجلوس إلى طاولة واحدة لبحث التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يقر رئيس أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بأن أجهزة كل منهما تراقب الأخرى.
وبذلك لا تبدو حرب التجسس مجرد ملف أمني منفصل عن العلاقات بين البلدين، وإنما جزء من صراع أوسع على التكنولوجيا والنفوذ والاقتصاد والأمن، فيما تحاول الدبلوماسية في العلن إدارة علاقة تتواصل فيها المنافسة في الخفاء.
