أثار قرار شبكة "فرانس تلفزيون" سحب إعادة حلقة من البرنامج الأدبي "المكتبة الكبرى" جدلًا واسعًا في فرنسا، بعدما تحدثت الممثلة والكاتبة الفرنسية أديل هينيل خلال الحلقة عن الحرب على قطاع غزة، واتهمت "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، وحمّلت فرنسا مسؤولية التواطؤ في الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
وبُثت الحلقة مساء 9 سبتمبر/أيلول الجاري على القناة الفرنسية الخامسة، واستضاف مقدم البرنامج أوغستان ترابنار هينيل للحديث عن روايتها الأولى، قبل أن يمنحها في ختام الحلقة مساحة خاصة ضمن فقرة تتيح للضيف التعبير بحرية عن موقف أو قراءة نص يختاره.
وخلال المداخلة، تحدثت هينيل أولًا عن العنف الجنسي والصمت المحيط به، قبل أن تنتقل إلى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، معتبرة أن هناك حالة من الصمت والإنكار تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون، ومؤكدة أن ما يجري لا يمكن فصله عن مسؤولية الدول التي تواصل دعم "إسرائيل".
واتهمت هينيل "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية في فلسطين، وحمّلت فرنسا مسؤولية التواطؤ، قبل أن توجه دعوة مباشرة إلى الجمهور والسلطات الفرنسية لاتخاذ إجراءات ضد "إسرائيل" والعمل من أجل تحرير فلسطين.
ولم تكن هينيل تتحدث في برنامج سياسي أو نشرة إخبارية، وإنما في مساحة أدبية منحت لها باعتبارها ضيفة في برنامج ثقافي، الأمر الذي جعل حذف الحلقة لاحقًا يثير أسئلة إضافية حول حدود التعبير السياسي داخل البرامج الثقافية التابعة للإعلام العام الفرنسي.
حذف الحلقة
وفي صباح اليوم التالي للبث، أزيلت الحلقة كاملة من منصة "فرانس.تي في"، في إجراء لم يقتصر على المقطع الذي تحدثت فيه هينيل عن غزة، وإنما شمل إعادة الحلقة بأكملها.
وبحسب صحيفة "لوموند"، اختفت الحلقة من المنصة قرابة الساعة العاشرة والنصف صباحًا، بعد ساعات فقط من بثها على الهواء، قبل أن ينتشر المقطع الذي تحدثت فيه هينيل عن فلسطين على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما تحول حذف الحلقة إلى قضية بحد ذاته، بعدما أعاد سياسيون ونشطاء فرنسيون نشر تصريحات هينيل، معتبرين أن سحب الحلقة لم يمنع وصول رسالتها، بل ساهم في توسيع انتشارها وإثارة النقاش حولها.
وأمام تصاعد الانتقادات، أصدرت شبكة "فرانس تلفزيون" توضيحًا بشأن قرارها، قالت فيه إن سحب الحلقة جاء بصفة تحفظية عقب تلقي شكاوى لدى هيئة تنظيم الاتصال السمعي والبصري والرقمي الفرنسية "أركوم".
وأوضحت الشبكة أن المشكلة، وفق روايتها، لا تتعلق بمجرد استضافة هينيل أو منحها مساحة للتعبير، وإنما بطريقة تناولها موضوعًا جيوسياسيًا تعتبره شديد الحساسية، من دون توفير تعدد في وجهات النظر أو السياق الذي تفرضه قواعد الخدمة العامة للإعلام الفرنسي.
واستندت الشبكة إلى التزاماتها المتعلقة بالتعددية في القضايا الخلافية، مؤكدة أن قرار سحب الحلقة مؤقت، إلى حين دراسة الهيئة التنظيمية للشكاوى التي تلقتها بشأن محتوى المداخلة.
وهنا يبرز تفصيل مهم في القصة؛ إذ إن "أركوم" لم تأمر الشبكة بحذف الحلقة، ولم تصدر حكمًا يعتبر تصريحات هينيل مخالفة، وإنما اتخذت "فرانس تلفزيون" قرار السحب من جانبها، وقالت إنه إجراء احترازي إلى حين نظر الهيئة في الملف.
هينيل ترد
وردت هينيل على قرار الشبكة عبر تسجيل نشرته على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتقدت سحب الحلقة من المنصة، معتبرة أن حذف حديثها عن غزة لم ينهِ النقاش الذي أرادت فتحه بشأن الحرب وما يتعرض له الفلسطينيون.
واعتبرت أن ما حدث يؤكد، من وجهة نظرها، وجود صعوبة متزايدة في طرح مواقف صريحة بشأن فلسطين داخل بعض المنابر الإعلامية الفرنسية، خصوصًا عندما تتضمن المواقف اتهامات مباشرة للحكومة الإسرائيلية والدول الداعمة لها.
وبعد حذف الحلقة، انتشر تسجيل المداخلة على منصات التواصل الاجتماعي، فيما أعاد عدد من السياسيين والنشطاء نشره، ما جعل محاولة إزالة المحتوى من المنصة الرسمية عاجزة عن وقف تداوله.
وأشعل القرار سجالًا سياسيًا في فرنسا، خصوصًا داخل أوساط اليسار، حيث انتقد عدد من النواب حذف الحلقة، معتبرين أن منح هينيل مساحة للتعبير ثم سحب الحلقة بعد تصريحاتها بشأن غزة يثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
وكان من بين المنتقدين نواب عن حزب فرنسا الأبية، الذين أعاد بعضهم نشر التسجيل المحذوف، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى رأت في الإجراء محاولة للحد من الأصوات التي تنتقد "إسرائيل" والحرب على غزة.
وانتقد السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي أوليفييه فور القرار، متسائلًا عن الأسباب التي دفعت الإعلام العام إلى حذف المداخلة، بينما دافع سياسيون من اليمين عن خطوة الشبكة، معتبرين أن القضية تتعلق باحترام قواعد التعددية في الإعلام العام.
ومن بين المؤيدين للحذف النائب عن حزب التجمع الوطني جوليان أودول، الذي انتقد تصريحات هينيل واعتبر أنها قدمت موقفًا أحادي الجانب بشأن الحرب.
متضامنًا مع الفلسطينيين
ولم تكن هينيل أول شخصية ثقافية تستخدم البرنامج نفسه للحديث عن غزة، ففي يونيو/حزيران 2025، استخدمت الكاتبة الفرنسية آني إرنو الفقرة نفسها للحديث عن قطاع غزة، وأعلنت موقفًا متضامنًا مع الفلسطينيين، ووصفت ما يجري بأنه إبادة جماعية.
لكن مداخلة إرنو لم تؤد، وفق ما أوردته "لوموند"، إلى الإجراء ذاته الذي اتخذ ضد حلقة هينيل، كما لم تسجل في حينه شكاوى لدى "أركوم" مرتبطة بالمداخلة، ولا تزال متاحة عبر حسابات البرنامج على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتعيد هذه السابقة طرح سؤال حول اختلاف التعامل مع المواقف المتضامنة مع الفلسطينيين داخل المنبر نفسه، خصوصًا أن هينيل اختارت في مداخلتها الأخيرة لغة أكثر مباشرة في تحميل "إسرائيل" المسؤولية عن الحرب، وفي انتقاد الدور الفرنسي.
وتنتظر القضية الآن موقف هيئة "أركوم"، التي تلقت شكاوى بشأن الحلقة، فيما لم يصدر عنها حتى الآن قرار نهائي يعتبر تصريحات هينيل مخالفة أو يفرض حذف الحلقة.
وبذلك، فإن الجدل الحالي يدور بين روايتين؛ الأولى تقدمها "فرانس تلفزيون"، التي تقول إن سحب الحلقة إجراء احترازي لضمان احترام قواعد التعددية، والثانية يمثلها منتقدو القرار، الذين يرون أن حذف الحلقة بعد حديث هينيل عن غزة يمثل تضييقًا على الخطاب المتضامن مع الفلسطينيين.
وتكشف الواقعة أن الحرب على غزة لم تعد قضية محصورة في نشرات الأخبار أو البرامج السياسية الفرنسية، بل أصبحت حاضرة في البرامج الثقافية والأدبية، وفي النقاش الدائر حول حرية الفنانين والكتاب في التعبير عن مواقفهم تجاه الاحتلال والحرب.
وتأتي تصريحات هينيل في وقت تتصاعد فيه داخل فرنسا وأوروبا الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وفي ظل تحركات أوروبية متزايدة ضد الاستيطان وعنف المستوطنين.
وبالنسبة للفلسطينيين، فإن أهمية الواقعة لا تكمن فقط في تصريحات فنانة فرنسية معروفة، وإنما في أن اتهام "إسرائيل" بارتكاب إبادة جماعية في غزة وصل إلى برنامج أدبي على شاشة التلفزيون العام الفرنسي، قبل أن تتحول الكلمات نفسها إلى سبب لأزمة داخل المؤسسة الإعلامية.
فالحلقة التي كان يفترض أن تدور حول الأدب والكتابة تحولت خلال دقائق إلى مساحة للحديث عن غزة، وعن مسؤولية "إسرائيل" والدول الداعمة لها، ثم تحولت بعد حذفها إلى نقاش أوسع حول من يملك حق تسمية ما يحدث في القطاع، وما إذا كان الإعلام الغربي مستعدًا لمنح الأصوات المتضامنة مع الفلسطينيين المساحة نفسها عندما تنتقل من التعبير الإنساني إلى تحميل المسؤولية السياسية والقانونية.
إجراء احترازي
وبينما تقول "فرانس تلفزيون" إن قرارها لا يمثل رقابة وإنما إجراء احترازي مرتبط بقواعد التعددية، فإن حذف الحلقة كاملة بعد ساعات من بثها، ثم انتشار المقطع المحذوف على نطاق واسع، جعل الواقعة واحدة من أحدث ساحات المواجهة داخل فرنسا حول فلسطين، وحرية التعبير، وحدود الخطاب المسموح به عند الحديث عن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وفي انتظار قرار "أركوم"، بقيت كلمات هينيل حاضرة رغم اختفاء الحلقة من منصة التلفزيون الفرنسي؛ إذ تحولت المداخلة التي حاولت الشبكة إخراجها من خدمة المشاهدة إلى مادة متداولة على نطاق أوسع، وأصبح السؤال الذي أثارته هينيل يتجاوز الحلقة نفسها: هل يمكن للصوت المتضامن مع غزة أن يصل إلى الجمهور الفرنسي بحرية عندما يسمي الاحتلال وجرائم الحرب والإبادة بأسمائها؟
