أظهرت دراسة تحليلية جديدة أن تحقيقات وشهادات صادرة من داخل "إسرائيل" خلال حرب غزة تطرح روايات وتفاصيل تتعارض في جوانب منها مع الخطاب الرسمي بشأن مجريات الحرب وآليات الاستهداف، مع تصاعد حضور هذه الشهادات عبر التحقيقات الصحفية والأعمال السينمائية.
وقال المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، في دراسة بعنوان "أزمة الرواية الإسرائيلية في حرب غزة: من لا أرض أخرى إلى نازا.. شهادات الداخل وحدود احتواء الرواية الرسمية"، إن امتداد الحرب وما رافقه من كلفة بشرية ومادية واسعة أوجد بيئة ساعدت على تنامي شهادات وتحقيقات من داخل المؤسسة والمجتمع والإعلام في "إسرائيل".
وأوضحت الدراسة أن هناك خلطًا في بعض التغطيات بين ثلاثة أعمال مختلفة، هي فيلم "لا أرض أخرى"، وتحقيقات "لافندر"، وفيلم "نازا"، رغم اختلاف موضوعاتها وسياقاتها.
وبحسب الدراسة، يتناول فيلم "لا أرض أخرى"، الذي صدر عام 2024، عمليات هدم المنازل وتهجير الفلسطينيين في مسافر يطا بالضفة الغربية، بينما يركز فيلم "نازا"، الذي عرض في مهرجان البندقية السينمائي عام 2026، على منظومة الاستهداف في قطاع غزة.
ويستند فيلم "نازا"، وفق الدراسة، إلى مقابلات مع 24 ضابطًا وعنصرًا سابقًا وحاليًا في الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، تحدثوا عن آليات اختيار الأهداف وطبيعة العمليات العسكرية في قطاع غزة.
أما تحقيق "لافندر"، الذي نشر في أبريل/نيسان 2024، فقد استند إلى شهادات مصادر استخباراتية إسرائيلية حول استخدام منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إعداد قوائم لأهداف محتملة في غزة، وهو ما شكّل، بحسب الدراسة، إحدى المحطات الصحفية التي سبقت فيلم "نازا".
وترى الدراسة أن هذه المواد تندرج ضمن مسار أوسع شهدته حروب غزة السابقة، تمثل في ظهور شهادات وتقارير من داخل "إسرائيل" تتحدى أو تتعارض مع الرواية الرسمية، بينما تراوحت الاستجابات الرسمية في مراحل مختلفة بين النفي والمطالبة بالأدلة وإغلاق ملفات التحقيق.
وتشير إلى أن الحرب الحالية شهدت تحولًا في طبيعة هذه المواجهة، خصوصًا مع وصول هذه الشهادات إلى منصات دولية واسعة، من بينها مهرجانات سينمائية، وما أعقب عرض فيلم "نازا" في مهرجان البندقية من انتقادات وتصريحات من مسؤولين إسرائيليين.
وتلفت الدراسة إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين آخرين هاجموا الفيلم وصنّاعه عقب عرضه، فيما دعا وزراء إلى اتخاذ إجراءات بحق مخرجيه.
وفي الجانب القانوني، تربط الدراسة بين تنامي هذه التحقيقات والشهادات وبين مسارات المساءلة الدولية القائمة، مشيرة إلى مذكرتي التوقيف اللتين أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، وما يمكن أن تضيفه المواد الجديدة، بحسب طبيعتها وقابليتها للتحقق، إلى قواعد الأدلة في الملفات القانونية الدولية.
وتطرح الدراسة ثلاثة مسارات محتملة لتطور المشهد، تتمثل في تشديد القيود على التوثيق وتسريب الشهادات، واستمرار وصول الشهادات إلى المنصات الدولية، إلى جانب إمكانية تنامي استخدامها ضمن مسارات المساءلة الدولية.
وتدعو الدراسة إلى بناء ملفات أدلة مترابطة تجمع بين التحقيقات الصحفية والوقائع الميدانية والتحليلات الفضائية، مع التشديد على ضرورة إسناد الأرقام والشهادات إلى مصادرها الأصلية وتجنب الخلط بين التحقيقات الصحفية والأعمال السينمائية والتقارير الحقوقية.
وتخلص الدراسة إلى أن تنامي الشهادات الصادرة من داخل "إسرائيل" يفرض، وفق تحليلها، تحديات جديدة أمام الرواية الرسمية للحرب، في ظل اتساع نطاق المواد التي تتناول آليات الاستهداف والعمليات العسكرية، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على الإعلام والرأي العام ومسارات المساءلة القانونية الدولية.
