انسحاب 77 دولة من قاعة الجمعية العامة يحاصر نتنياهو ويكشف تهاوي الرواية "الإسرائيلية"

صورة تعبيرية

تقرير - شهاب

تحولت كلمة بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مشهد حمل دلالات سياسية لافتة، بعدما غادرت عشرات الوفود القاعة خلال خطابه، في وقت تواجه فيه "إسرائيل" تصاعدًا في الانتقادات الدولية على خلفية حربها على قطاع غزة، ويؤكد محللان أن المشهد عكس حالة من العزلة السياسية التي باتت تحيط بنتنياهو و"إسرائيل"، في ظل اتساع الفجوة بينها وبين عدد متزايد من دول العالم، وتراجع قدرتها على تمرير روايتها بشأن الحرب كما كانت في بداياتها.

المقاعد الفارغة

الكاتب والمحلل السياسي د. إياد القرا، قال، إن المقاعد الفارغة أمام بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة لم تكن مجرد مشهد احتجاجي، بل كانت إعلانًا سياسيًا صامتًا بأن شيئًا عميقًا تبدّل في صورة "إسرائيل" أمام العالم.

وأضاف القرا أن نتنياهو، بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة على غزة، لم يعد يقف أمام العالم الذي احتضن الرواية "الإسرائيلية" في الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل أمام عالم أكثر تشككًا، وأقل استعدادًا لمنح "إسرائيل" الغطاء السياسي ذاته، وأكثر استعدادًا لمساءلتها عما جرى في غزة.

وأوضح أن "إسرائيل" التي حظيت في بداية الحرب بدعم سياسي وعسكري واسع من الولايات المتحدة وعدد من الحكومات الغربية، بدأت تدريجيًا تفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في الرواية الدولية.

وأشار إلى أن التحول لم يعد مقتصرًا على خصومها التقليديين، بل امتد إلى دول عُرفت طويلًا بأنها من أصدقائها وحلفائها.

وبيّن القرا أن حكومات غربية اتخذت خلال العامين الماضيين خطوات أكثر وضوحًا تجاه القضية الفلسطينية، من الاعتراف بدولة فلسطين إلى إجراءات مرتبطة بالمستوطنات وسياسات الاحتلال في الضفة الغربية، وصولًا إلى تصاعد الانتقادات العلنية للحرب على غزة.

ولفت إلى أن هذه التحولات لا تعني أن "إسرائيل" فقدت حلفاءها بالكامل، فالولايات المتحدة ما تزال توفر لها دعمًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، كما أن علاقاتها مع عدد من الدول الغربية ما تزال قوية، لكن الفارق الجوهري أن الدفاع عنها لم يعد بالسهولة التي كان عليها في الأسابيع الأولى للحرب، وأصبحت كلفة الاصطفاف معها أعلى سياسيًا وأخلاقيًا أمام قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.

وذكر أن نتنياهو حاول في خطابه أمام الأمم المتحدة إعادة إنتاج السردية نفسها، بأن "إسرائيل" تدافع عن نفسها، وتستهدف حماس، وتحمي المدنيين، وتواجه حملة أكاذيب، لكنه يتحدث اليوم في واقع مختلف جذريًا.

وتابع، أن الصور القادمة من غزة، وحجم الدمار، وأعداد الضحايا، والنزوح الواسع، والجوع، وانهيار قطاعات حيوية من الحياة المدنية، جعلت الدفاع عن الرواية "الإسرائيلية" أكثر صعوبة.

وأشار إلى أن الملف لم يعد مجرد سجال إعلامي، بل انتقل إلى المحاكم والمؤسسات الدولية وتقارير المنظمات الأممية والإنسانية، وإلى البرلمانات والنقاشات السياسية داخل دول ما دامت قد وفرت لـ "إسرائيل" غطاءً واسعًا.

وأوضح القرا أن نتنياهو، حين ينفي اتهامات الإبادة ويقدم "إسرائيل" بوصفها الطرف الذي يحمي المدنيين، يصطدم بواقع قانوني وإنساني لا يمكن اختزاله بخطاب.

وبيّن أن محكمة العدل الدولية لم تصدر حتى الآن حكمًا نهائيًا يقرر وقوع جريمة إبادة جماعية، لكن القضية باتت مطروحة أمام أعلى هيئة قضائية دولية، وصدرت تدابير مؤقتة تتعلق بمنع الأفعال التي قد تقع ضمن نطاق اتفاقية الإبادة وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

كما أشار إلى تراجع قوة رواية الاستيلاء المنهجي لحماس على المساعدات، بعدما لم تجد مراجعات أميركية أدلة على تحويل منهجي للمساعدات إليها، بما أضعف واحدة من أكثر الحجج استخدامًا في تفسير الكارثة الإنسانية داخل القطاع.

وقال القرا إنه بعد ثلاث سنوات، لم تعد معركة "إسرائيل" عسكرية فقط، بل أصبحت معركة على الشرعية والصورة والرواية، معتبرًا أن مأزقها يبدو أكبر مما تريد الاعتراف به.

وأضاف أن القوة يمكن أن تفرض احتلالًا، وأن تدمر مدينة، وأن توسع مساحة الخراب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل العالم يتجاهل ما شاهده طوال ثلاث سنوات.

وأكد أن المقاعد الفارغة كانت أكثر بلاغة من خطاب نتنياهو نفسه، فالمشكلة لم تعد فقط في أن بعض الوفود غادرت القاعة، بل في أن الرواية "الإسرائيلية" فقدت شيئًا أساسيًا من قدرتها على الإقناع، حتى داخل دوائر كانت الأقرب إليها.

واردف أنه بعد غزة، لم يعد السؤال: "هل تستطيع إسرائيل فرض الوقائع بالقوة؟"، بل: "هل تستطيع بعد كل ما حدث أن تفرض تفسيرها لهذه الوقائع أيضًا؟"، لافتا إلى أن الإجابة التي تتشكل في المحاكم والجامعات والبرلمانات والشوارع وفي مواقف دول كانت يومًا أكثر قربًا منها، تقول إن القوة تستطيع أن تصنع واقعًا على الأرض، لكنها لا تستطيع إلى الأبد أن تصنع حقيقة موازية له.

لغة صدامية

بدوره، قال الكاتب والباحث الفلسطيني، ميسرة بحر، إن بنيامين نتنياهو وقف على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ليخاطب العالم، فغادر العالم القاعة، إذ تركت 77 دولة مقاعدها أثناء كلمته، في عزلة قلّ أن يعرف هذا المنبر مثيلًا لها.

وأضاف بحر أن نتنياهو لم يأتِ ليقنع أحدًا، بل جاء متعاليًا مستكبرًا، يخاطب دول العالم بلغة صدامية بعيدة عن الدبلوماسية، كأن بقاء أمريكا وأوروبا، في نظره، مرهون بـ "إسرائيل" لا العكس.

ولفت إلى أن المفارقة بلغت ذروتها حين قال نتنياهو إن فرنسا وبريطانيا استعمرتا العالم بأكمله، وإن "إسرائيل الصغيرة" تُتَّهم بالاستعمار، وطلب من العالم أن يكفّ عن الكذب، متابعا، نتنياهو نسي، أو تناسى، أنه من مخلفات الاستعمار البريطاني، فالكيان الذي يتحدث باسمه خرج من وعد بلفور، وهو وعدُ من لا يملك لمن لا يستحق.

وذكر أن "إسرائيل" اعتادت التنكر للتاريخ وتزييف الحقائق، ومن المفارقات أن هذه الصنيعة الغربية تقف اليوم وتخاطب الغرب بلغة المتعالي على أولياء نعمته.

وتابع أن نتنياهو أراد أن يخرج من نيويورك بصورة القائد الذي لا يُردّ، فخرج بصورة رجل يتحدث إلى مقاعد فارغة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر