تقرير غزة بين مطرقة العهود المنقوضة وسندان التصعيد الإقليمي: هل انشغل العالم عن مأساة القطاع؟

صورة تعبيرية

خاص – شهاب

تتفاقم المأساة الإنسانية في قطاع غزة مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار مرحلته الثانية، من دون أن ينعكس ذلك على حياة السكان الذين يواجهون حصارًا خانقًا، ومعابر شبه مغلقة، ومساعدات شحيحة لا تكفي لسدّ الحدّ الأدنى من الاحتياجات.

وبينما كان يُفترض أن يشكّل وقف إطلاق النار فرصة لتخفيف المعاناة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته اليومية ويمنع تدفّق الإمدادات الأساسية، في وقت ينشغل فيه العالم بالحرب مع إيران، ما يجعل غزة تقف بين مطرقة "العهود المنقوضة" وسندان التصعيد الإقليمي.

انشغلوا بأنفسهم

وفي هذا السياق، يقول أستاذ القانون راقي المسماري، إن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة تتفاقم يومًا بعد يوم، وإن السكان بالقطاع يعيشون ظروفًا معيشية صعبة في ظل استمرار الاحتلال بخروقاته وإغلاقه للمعابر وعدم إدخال المواد الإغاثية اللازمة.

ويضيف في حديثه لوكالة شهاب، أن الولايات المتحدة تركت الاتفاق بشأن غزة وذهبت للمشاركة في الحرب على إيران، وأن رعاة الاتفاق انشغلوا الآن بأنفسهم.

ويشير إلى أن ما يجري يؤكد أن الصهيونية "الإسرائيلية" والأمريكية لا عهد ولا ميثاق لهم ولا اتفاق معهم، وأنهم يخونون الوعود وينقضون العهود بشكل دائم ومستمر.

ويدعو الأمتين الإسلامية والعربية إلى إدراك ذلك والعمل بناءً عليه، لافتًا إلى أن اتفاق وقف النار في غزة ماثل أمام الجميع، في وقت يعاني فيه القطاع الجوع والعوز ونقص أبسط الإمكانيات و الإمدادات الضرورية.

ويلفت إلى أن الوسطاء منشغلون بأنفسهم الآن، فيما ينشغل المجتمع الدولي بنقص إمدادات النفط والغاز وتأمين المستلزمات الضرورية لحياتهم.

ويردف، "بدون حرب إيران وقف جميعهم عاجزون عن لجم الاحتلال ووقف خروقاته وإلزامه بتنفيذ الاتفاق، فكيف الحال الآن والحرب تدور رحاها فوق رؤوس الجميع".

فراغ سياسي

بدوره ، يقول الخبير القانوني د.رائد بدوية، إن التدهور الإنساني في قطاع غزة مستمر في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث ينشغل الوسطاء بملفاتهم الخاصة، ويتحوّل اهتمام العواصم الكبرى نحو الحرب على إيران.

ويضيف، في حديثه لوكالة شهاب، أن هذا الفراغ السياسي أدى إلى اتساع مساحة الخروقات "الإسرائيلية"، وتراجع كلفة الفعل الميداني في ظل انقسام دولي وعجز واضح في آليات الإلزام.

ويؤكد أن استمرار الانتهاكات في غزة لا يمكن قراءته فقط بوصفه نتيجة للانشغال الدولي، بل أيضاً في ضوء أهداف "إسرائيلية" متعددة تتجاوز البعد العسكري المباشر.

ويتابع، "إسرائيل تسعى إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك، وفرض معادلات أمنية جديدة تجعل أي تهدئة مستقبلية مشروطة بوقائع ميدانية تكرّس تفوقها وتحدّ من قدرة الفصائل على إعادة ترتيب صفوفها".

ويردف، أن "تكثيف الضغط الميداني يُستخدم كورقة تفاوضية لانتزاع تنازلات سياسية أو أمنية في أي مسار وساطة لاحق، خصوصاً في ظل غياب آليات رقابة دولية فعّالة".

ويشير إلى أن "إسرائيل" تسعى أيضًا لتثبيت وقائع استراتيجية طويلة الأمد، سواء عبر تضييق اقتصادي ممنهج، أو إعادة هندسة المجال الإنساني، بما يخلق بيئة ضاغطة تؤثر في البنية الاجتماعية والسياسية داخل القطاع.

ويلفت بدوية إلى أن التصعيد يأتي أيضًا لأسباب داخلية "إسرائيلية"، قائلاً: "في ظل تحديات سياسية داخلية، يشكّل التصعيد أداة لإعادة توحيد المشهد السياسي حول أولوية أمنية جامعة، وتقليص مساحة الخلاف الداخلي".

ويذكر أن عجز المنظومة الدولية عن فرض قرار ملزم، واكتفاء الأمم المتحدة بالتحذيرات الإنسانية، يمنح "إسرائيل" هامش حركة أوسع، فالانقسام الدولي يخفّض كلفة الاستمرار في التصعيد، ويحوّل الردود إلى مواقف سياسية غير مقرونة بإجراءات عملية.

ويكمل، "كلما طال أمد الانتهاكات وتفاقمت الأزمة الإنسانية، زادت احتمالات اتساع دائرة التوتر، سواء عبر انفجار ميداني أوسع أو عبر انخراط أطراف إقليمية ترى في استمرار الوضع تهديداً مباشراً للاستقرار".

ويشدد على أن المطلوب اليوم من الوسطاء والمجتمع الدولي ليس مجرد استئناف الوساطة، بل إعادة تعريفها عبر أدوات ضغط واضحة، جدول زمني ملزم، وآلية رقابة تضمن التنفيذ.

ويبين أن وقف الانتهاكات في غزة لا يمثل فقط استحقاقاً إنسانياً، بل ضرورة استراتيجية لمنع تحوّل القطاع إلى بؤرة تفجير إضافية في إقليم يقف أصلاً على حافة مواجهة أوسع.

ويقول، "غزة اليوم ليست هامشاً في معادلة إقليمية كبرى، بل إحدى عقدها المركزية، وأي تجاهل لأهداف التصعيد الجارية لن يؤدي إلى احتوائها، بل إلى إعادة إنتاجها في لحظة قد تكون أكثر خطورة على الجميع".

وتتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي يوميًا رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، أسفرت الخروقات والاعتداءات منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد 630 شهيدًا وإصابة 1,698 آخرين، إلى جانب انتشال جثامين 735 شهيدًا من تحت الأنقاض.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة