عقوبات غربية مرتقبة تستهدف شركات إسرائيلية مرتبطة بمشاريع استيطانية في الضفة الغربية

ترجمة / شهاب

تتجه الحكومة البريطانية، إلى جانب مجموعة من الدول الغربية، نحو الإعلان خلال الأيام المقبلة عن حزمة إجراءات وعقوبات تستهدف شركات مرتبطة بأنشطة استيطانية إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي من تسارع مشاريع الاستيطان، وخاصة ما يُعرف بمخطط “E1” الذي يراه مراقبون نقطة تحول خطيرة في مستقبل الجغرافيا والسياسة الفلسطينية.

وبحسب ما كشفته صحيفة “الغارديان” البريطانية، فإن هذه الحزمة المرتقبة تأتي ضمن تنسيق بين عدد من الدول، من بينها بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا ونيوزيلندا، وتركّز بشكل خاص على الحد من مشاركة الشركات في مشاريع البناء الاستيطاني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في محاولة للضغط على إسرائيل لوقف التوسع الذي تعتبره هذه الدول مخالفاً للقانون الدولي.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن مشروع “E1” الاستيطاني، الذي فتحت بشأنه مناقصات لبناء أكثر من 3000 وحدة سكنية بين القدس المحتلة ومستوطنة معاليه أدوميم، يشكل محور القلق الرئيسي في هذه التحركات. فالمشروع، في حال تنفيذه، سيؤدي إلى خلق كتلة استيطانية ضخمة تفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وتقطع الامتداد الجغرافي الطبيعي بين مدن وبلدات فلسطينية رئيسية.

فلسطينياً، يُنظر إلى هذا المخطط باعتباره واحداً من أخطر المشاريع الاستيطانية منذ سنوات، ليس فقط لأنه يوسع السيطرة الإسرائيلية على محيط القدس الشرقية، بل لأنه يعيد رسم الخريطة الميدانية للضفة بطريقة تجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً شديد التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً عملياً.

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التحذيرات من أن الاستيطان لم يعد مجرد سياسة توسع تدريجي، بل بات يُدار ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى فرض وقائع نهائية على الأرض، تُغلق الباب أمام أي تسوية سياسية قائمة على مبدأ حل الدولتين.

وفي السياق السياسي داخل بريطانيا، برز تحرك لافت داخل البرلمان، حيث وقع 137 نائباً من حزب العمال رسالة موجهة إلى وزارة الخارجية، تدعو فيها إلى اتخاذ خطوات “ملموسة وعاجلة” لمواجهة ما وصفوه بتصاعد الانتهاكات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.

الرسالة لم تكتفِ بالإدانة السياسية، بل ذهبت إلى المطالبة بوقف أي شكل من أشكال التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، معتبرة أن استمرار التعامل الاقتصادي مع هذه المشاريع يساهم بشكل مباشر في ترسيخ واقع الاحتلال ويقوض القانون الدولي.

وتشير الرسالة إلى أن الحكومة البريطانية، رغم تعهداتها السابقة بالتحرك تجاه ملف التهجير القسري والتوسع الاستيطاني، لم تقدم حتى الآن خطوات عملية كافية، وهو ما وصفه النواب بأنه تراجع عن الالتزامات السياسية المعلنة.

في موازاة ذلك، تصاعد الجدل القانوني حول طبيعة العلاقة الاقتصادية مع المستوطنات، إذ يستند الداعون إلى فرض قيود على التجارة إلى رأي استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية، الذي يؤكد ضرورة امتناع الدول عن الدخول في معاملات تجارية مع كيانات تعمل داخل أراضٍ محتلة بشكل غير قانوني.

هذا التوجه، وفق الرسالة، لا يتطلب بالضرورة تشريعاً جديداً واسعاً، إذ يمكن للحكومة البريطانية أن تعتمد على سوابق قانونية وسياسات سابقة اتبعتها في حالات احتلال أخرى، مثل التعامل مع مناطق ضمتها روسيا في أوكرانيا، بما يعزز مبدأ عدم الاعتراف بالوقائع المفروضة بالقوة.

على الأرض، يبرز ملف تجمع خان الأحمر البدوي شرق القدس كأحد أبرز النماذج المرتبطة بمشروع “E1”. فقد حذرت لجنة تابعة للأمم المتحدة من أن الخطط الإسرائيلية المتعلقة بإخلاء التجمع تهدد بزيادة خطر “النقل القسري للسكان المدنيين”، وهو ما قد يرقى إلى مستوى جرائم حرب وفق القانون الدولي الإنساني.

ويعتبر فلسطينيون أن استهداف خان الأحمر لا يمكن فصله عن السياق الأشمل لمشروع “E1”، الذي يسعى إلى إعادة تشكيل محيط القدس الشرقية عبر تفريغ مناطق استراتيجية من وجودها الفلسطيني وربط الكتل الاستيطانية ببعضها البعض.

وفي هذا السياق، شددت الرسالة البرلمانية البريطانية على أن استمرار هذه السياسات على الأرض يخلق واقعاً يتجاوز حدود الاحتلال التقليدي، نحو هندسة جغرافية وسياسية مغلقة تمنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وتشير الرسالة أيضاً إلى أن عدداً من الدول الأوروبية بدأت بالفعل باتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه. فقد شرعت إسبانيا في فرض قيود على استيراد منتجات المستوطنات، فيما تعمل كل من أيرلندا وهولندا وبلجيكا على تطوير تشريعات مماثلة، في إطار توجه أوروبي متصاعد لإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية مع المستوطنات.

وفي المقابل، يستند هذا التوجه إلى تحولات في الخطاب القانوني الدولي، خاصة بعد مواقف محكمة العدل الدولية التي أكدت أن التعامل الاقتصادي مع المستوطنات يمكن أن يشكل مساهمة غير مباشرة في تكريس وضع غير قانوني، وهو ما يضع الدول أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية في مراجعة سياساتها التجارية.

وتلفت الرسالة البرلمانية إلى أن سياسة “عدم الاعتراف بالاحتلال” ليست جديدة في القانون الدولي، إذ سبق تطبيقها في سياقات أخرى، ما يعزز إمكانية تطبيقها في الحالة الفلسطينية دون الحاجة إلى مسار تشريعي طويل ومعقد.

في المقابل، يواصل مسؤولون إسرائيليون الترويج لمشروع “E1” باعتباره جزءاً من ما يسمونه “تعزيز السيادة الإسرائيلية”، حيث وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش المشروع بأنه “تجسيد للصهيونية في أفضل صورها”، في إشارة إلى استمرار التوجه الرسمي نحو توسيع الاستيطان رغم الاعتراضات الدولية.

أما على المستوى الأوروبي، فقد شهد الموقف تبايناً خلال الأشهر الماضية، حيث تراجعت بعض دول الاتحاد الأوروبي عن فرض عقوبات موحدة بسبب خلافات داخلية، في حين لا تزال دول أخرى تدفع باتجاه تشديد الموقف من الاستيطان بشكل تدريجي.

وفي فرنسا، دعا وزير الخارجية جان نويل بارو إلى توسيع نطاق العقوبات بحيث لا تقتصر على الأفراد المتورطين في العنف ضد الفلسطينيين، بل تمتد أيضاً إلى الشركات والمؤسسات التي توفر دعماً مادياً أو لوجستياً للمستوطنين، وهو ما يعكس اتجاهاً متزايداً داخل بعض العواصم الأوروبية لإعادة النظر في العلاقة مع منظومة الاستيطان ككل.

فلسطينياً، يُنظر إلى هذه التحركات الدولية بحذر، إذ يرى مراقبون أن الأهم لا يكمن فقط في حجم العقوبات أو بيانات الإدانة، بل في مدى قدرتها على وقف التوسع الاستيطاني فعلياً على الأرض، خاصة في ظل تسارع المشاريع التي تعيد رسم حدود السيطرة في الضفة الغربية بشكل يومي.

وبينما تتصاعد التحركات السياسية والدبلوماسية في العواصم الغربية، يبقى الواقع الميداني في الضفة الغربية، وخاصة في محيط القدس، هو العامل الحاسم في تحديد مستقبل أي تسوية سياسية، في وقت يبدو فيه أن مشروع “E1” قد أصبح رمزاً مركزياً للصراع بين رؤية حل الدولتين وبين واقع التوسع الاستيطاني المتسارع الذي يعيد تشكيل الأرض قبل السياسة.

المصدر : الغارديان

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر