تقرير الإجهاض في غزة.. قصص موجعة وأرقام غير مسبوقة تنذر بكارثة صحية

خاص/ شهاب

تدق الزيادة في حالات الإجهاض بين النساء الحوامل في قطاع غزة ناقوس الخطر، في ظل ظروف إنسانية وصحية غير مسبوقة فرضتها الحرب. فمع استمرار القصف، وتفاقم المجاعة، وتكرار النزوح، والانهيار شبه الكامل لخدمات الرعاية الصحية، باتت آلاف النساء يواجهن رحلة حمل قاسية، تنتهي لدى كثيرات بفقدان الجنين. ويؤكد الأطباء أن الأشهر الأخيرة شهدت تزايدًا في حالات الإجهاض، مع عجز الحوامل عن الحصول على الغذاء الكافي، والأدوية، والمتابعة الطبية اللازمة لاستكمال الحمل بأمان.

حالة خوف دائم

من بين هؤلاء، كانت وفاء أبو عاذرة، النازحة في مواصي خان يونس، التي فقدت جنينها في الشهر السادس من الحمل، بعد أسابيع من الجوع والخوف والقصف المتواصل.

لم تكن وفاء أبو عاذرة تتوقع أن يكون ذلك اليوم آخر أيام حملها. استيقظت وهي تشعر بآلام لم تعهدها من قبل، وحاولت أن تقنع نفسها بأنها أعراض طبيعية، لكن الساعات التالية حملت لها الخبر الذي لم تكن مستعدة لسماعه.

تقول وفاء إن الأسابيع الأخيرة من حملها كانت الأصعب منذ بداية الحرب. فالقصف لم يكن يفارق محيط خيمتها، وكانت أصوات الغارات تهز المكان ليلًا ونهارًا، لتعيش في حالة خوف دائم، لا تعرف معها طعم النوم أو الشعور بالأمان.

وتضيف إن غذاءها خلال الأسابيع الأخيرة اقتصر في كثير من الأيام على وجبة واحدة، وأحيانًا على صنف واحد من الطعام، بينما كانت تشعر بأن جسدها يزداد ضعفًا يومًا بعد آخر، من دون أن تتمكن من الحصول على المكملات الغذائية أو الرعاية الطبية التي تحتاجها.

وتتابع: "كنت أشعر أن طفلي يحتاج إلى غذاء لا أستطيع توفيره له، وكنت أنا أيضًا بالكاد أجد ما يسد جوعي"، مضيفة أن الخوف والجوع والإرهاق اجتمعت كلها في وقت واحد، بينما كانت تحاول التشبث بالأمل بأن يكتمل حملها بسلام.

وتوضح أنها لم تكن تملك رفاهية الراحة، فالحياة داخل النزوح تعني البحث المستمر عن الماء والطعام ومقومات البقاء، في ظل قصف لا يتوقف، قبل أن تنتهي رحلتها مع الحمل بفقدان جنينها في شهره السادس.

وتضيف بصوت يختلط فيه الحزن بالخذلان: "لم أخسر طفلًا فقط... شعرت أن الحرب دخلت إلى رحمي، وأخذت مني آخر شيء كنت أتمسك به."

في حين كانت نداء شلدان (40 عامًا) تخطط لمواصلة يومها كالمعتاد، رغم حملها في شهره الثالث. خرجت إلى عملها، ثم أمضت ساعات طويلة في التنقل لتأمين احتياجات أسرتها، قبل أن تعود منهكة كما اعتادت خلال الأشهر الأخيرة. لكنها لم تكن تعلم أن ذلك اليوم سيكون الأخير في رحلة حملها.

تقول نداء إن حياتها خلال الأسابيع التي سبقت الإجهاض لم تعرف الاستقرار. فالقصف اقترب أكثر من مرة من المكان الذي كانت تقيم فيه، ما أجبرها على النزوح مجددًا، بينما كانت تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على حملها وسط ظروف لم تترك للنساء الحوامل أي مساحة للراحة.

وتضيف أن الوصول إلى المراكز الصحية أصبح بالغ الصعوبة، كما اختفت كثير من الأدوية اللازمة للحوامل، في وقت لم يكن بإمكانها التوقف عن العمل أو الراحة، لأن مسؤولية إعالة أسرتها وتأمين احتياجاتها اليومية كانت تفرض عليها الخروج كل صباح.

وتقول إنها كانت تمشي لمسافات طويلة كل يوم، سواء للوصول إلى عملها أو للحصول على الماء والطعام، ثم تعود وقد استنزفها التعب، لكنها كانت تخفي آلامها على أمل أن يمر الحمل بسلام.

وتؤكد أن القصف، والخوف، والنزوح المتكرر، والإجهاد البدني، ونقص الغذاء والدواء، اجتمعت كلها في وقت قصير، قبل أن تفقد حملها في الشهر الثالث.

رقم غير مسبوق

وبحسب تقرير صادر عن وزارة الصحة بغزة، فإن 921 امرأة حامل أجهضن أجنتهن خلال أبريل/نيسان الماضي. ويعزو الأطباء أسباب ارتفاع عدد حالات الإجهاض وتشوه الأجنة إلى حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع، التي سجلت قتلًا مباشرًا للأجنة أو وفّرت عوامل موتها.

ووثّق تقريرٌ خاص صادر عن وزارة الصحة في غزة، رصد مؤشرات الانهيار الصحي والديموغرافي في القطاع خلال الفترة الممتدة بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026، تدهورًا حادًا في قدرة البيئة الرحمية على دعم استمرار الحمل ونمو الجنين. وأظهر التقرير ارتفاع معدل الإجهاض إلى 460 حالة لكل ألف مولود حي في أبريل/نيسان الماضي، مقارنة بـ140 حالة لكل ألف مولود حي قبل الحرب.

من جانبه، يرى المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، أن الارتفاع المتسارع في معدلات الإجهاض خلال الأشهر الأخيرة يعكس حجم الكارثة الصحية التي تعيشها النساء الحوامل في القطاع، مؤكدًا أن الحرب لم تعد تقتصر آثارها على أعداد القتلى والجرحى، بل امتدت إلى الأجنة الذين فقدوا فرصة الولادة نتيجة تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية.

ويقول البرش، في حديثه لوكالة "شهاب"، إن البيانات الصحية المسجلة خلال شهر أبريل/نيسان 2026 أظهرت وصول معدل الإجهاض إلى رقم غير مسبوق، يتجاوز بأكثر من ثلاثة أضعاف المعدلات العالمية، ويعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها النساء الحوامل في ظل استمرار الحرب.

ويضيف أن هذا الارتفاع لا يمكن عزله عن الظروف التي يعيشها القطاع، حيث تعاني النساء من نقص حاد في الغذاء، وتراجع القدرة على الحصول على الرعاية الطبية، إلى جانب النزوح المتكرر والضغوط النفسية الناتجة عن القصف المستمر، وهي عوامل مجتمعة تؤثر بصورة مباشرة على استقرار الحمل، وتزيد من احتمالات فقدانه.

ويلفت إلى أن سوء التغذية بات أحد أخطر التحديات التي تواجه النساء الحوامل، موضحًا أن أكثر من 57% من الحوامل يعانين من فقر الدم، الأمر الذي ينعكس على صحة الأم والجنين، ويؤدي إلى ضعف وصول الأكسجين والعناصر الغذائية اللازمة لنمو الجنين، ما يرفع من احتمالات الإجهاض أو حدوث مضاعفات خطيرة أثناء الحمل.

ويشير البرش إلى أن الأزمة لم تقتصر على ارتفاع حالات الإجهاض، بل انعكست أيضًا على معدلات الولادة، إذ انخفض عدد المواليد في قطاع غزة بصورة لافتة خلال الأشهر الماضية، بعدما تراجع من 6076 ولادة في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 إلى 2004 ولادات فقط في أبريل/نيسان 2026، وهو انخفاض يصفه بأنه مؤشر خطير على التأثيرات الديموغرافية للحرب.

ويؤكد أن المستشفيات والمراكز الصحية تسجل كذلك ازديادًا في حالات الحمل عالي الخطورة، إضافة إلى رصد حالات تشوهات خلقية، في ظل استمرار تلوث المياه، وانعدام الأمن الغذائي، والانهيار الواسع في خدمات صحة الأم والطفل، وهو ما يضاعف المخاطر التي تواجهها النساء الحوامل يومًا بعد آخر.

ويحذر البرش من أن استمرار هذه الظروف دون تدخل عاجل قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في معدلات الإجهاض خلال الفترة المقبلة، مؤكدًا أن ما يجري في غزة لم يعد أزمة صحية فحسب، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للمستقبل السكاني، في ظل حرمان آلاف الأجنة من فرصة الولادة.

ويشدد في ختام حديثه على أن حماية النساء الحوامل لم تعد تقتصر على توفير العلاج، بل تتطلب ضمان وصول الغذاء الكافي، والأدوية، والمكملات الغذائية، والرعاية الصحية المتخصصة، إلى جانب توفير بيئة آمنة تُمكّن النساء من استكمال حملهن، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية سيترك آثارًا صحية وديموغرافية عميقة لسنوات قادمة.

عاملًا لا يمكن تجاهله

في حين توضح القابلة القانونية رجاء ياسين فى مجمع الشفاء الطبي، أن الاكتظاظ داخل الخيام ومراكز الإيواء، إلى جانب تلوث المياه، وتراكم النفايات، وانتشار الحشرات والقوارض، يخلق بيئة غير آمنة للحوامل، ويزيد من احتمالات تعرضهن لمضاعفات صحية قد تؤثر في استقرار الحمل.

وتضيف أن الأزمة الغذائية المتفاقمة تمثل تحديًا آخر، إذ تعجز كثير من النساء عن الحصول على غذاء متوازن أو مكملات غذائية أساسية، بسبب تراجع المساعدات وارتفاع معدلات الفقر، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صحة الأم والجنين.

وتشير ياسين إلى أن الحرب عطلت كذلك خدمات الصحة الإنجابية، بما في ذلك توفير وسائل تنظيم الأسرة، وهو ما أدى إلى ارتفاع حالات الحمل غير المخطط له في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الصحية، ما يجعل هذه الأحمال أكثر عرضة للمضاعفات.

وتؤكد أن الجانب النفسي أصبح عاملًا لا يمكن تجاهله، لافتة إلى أن النساء الحوامل يعشن تحت ضغط يومي ناتج عن القصف المستمر، والخوف من النزوح أو فقدان أفراد الأسرة، وهو ما ينعكس على حالتهن الصحية والنفسية طوال أشهر الحمل.

وتقول إن كثيرًا من النساء لم يعد يشغل بالهن فقط الحفاظ على الحمل، بل أصبحن يفكرن في كيفية الوصول إلى مكان آمن للولادة، أو العثور على طبيب يتابع حالتهن، أو تأمين احتياجات المولود الأساسية، في ظل الانهيار الواسع الذي أصاب القطاع الصحي.

وتلفت إلى أن صعوبة التنقل تمثل عبئًا إضافيًا، إذ تضطر نساء حوامل إلى السير لمسافات طويلة للوصول إلى المراكز الصحية، نتيجة نقص وسائل النقل وارتفاع تكلفتها، وهو ما يزيد من الإجهاد البدني ويضاعف مخاطر حدوث مضاعفات أثناء الحمل.

وتؤكد ياسين أن الصدمات النفسية التي تعرضت لها آلاف النساء، سواء بفقدان الزوج أو أحد الأبناء أو الأقارب، تركت آثارًا عميقة على صحتهن النفسية والجسدية، مشددة على أن حماية الحوامل في غزة لم تعد تقتصر على توفير الخدمات الطبية، بل تتطلب أيضًا توفير الغذاء، والمأوى الآمن، والدعم النفسي، باعتبارها عناصر أساسية للحفاظ على حياة الأم والجنين.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر