"الإبادة" تكسر حاجز الألف يوم

خاص "شهاب" تحاور رئيس بلدية المغازي: الاحتلال يشن حرب "إبادة بيئية" ممنهجة والبلديات تواجه الكارثة بإمكانيات منهارة

حوار خاص - شهاب

تعرضت البيئة والبنية التحتية في قطاع غزة لدمار شامل وممنهج مسّ كافة مقومات الحياة البشرية والطبيعية نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من 1000 يوم.

وفي حوار خاص أجرته وكالة شهاب للأنباء مع رئيس بلدية المغازي، م. محمد مصلح، كشف عن أرقام صادمة تعكس حجم الكارثة الإنسانية والبيئية التي يمر بها القطاع، مسلطاً الضوء على سياسة التعطيش والإبادة الممنهجة، والتحديات الجسيمة التي تواجهها البلديات في ظل شلل آلياتها ونفاد مقومات تشغيلها.

واستهل م. محمد مصلح حديثه، بالتأكيد أن "التدمير الإسرائيلي الممنهج طال كل مناحي الحياة في قطاع غزة، وتركز بشكل رئيسي على البيئة الغزية، حيث شُنت ضد القطاع أرضاً حرب إبادة بيئية شملت كل القطاعات البيئية بلا استثناء، سواء قطاعات المياه، أو الصرف الصحي، أو الزراعة، أو التربة، والبيئة البحرية".

وأوضح أن بعض هذه القطاعات تكاد تكون أبيدت إبادة تامة؛ فالقطاع الزراعي دُمر بشكل كبير جداً وبنسبة تصل إلى حوالي 84%.

وانتقل رئيس بلدية المغازي للحديث عن الواقع المائي المرير، مبينا أن قطاع المياه والصرف الصحي تم تدمير أكثر من 80% من مرافقه، والتي تشمل الآبار، وشبكات توزيع المياه، والخزانات.

وأشار مصلح إلى أن الاحتلال يتبع سياسة ممنهجة لقتل الحياة للفلسطينيين، وتجفيف منابع المياه لديهم وتعطيشهم بشكل كامل؛ حيث دمر أكثر من 280 بئراً تملكها البلديات من أصل 319 بئراً.

ونوه إلى أن هذا الاستهداف أدى إلى شلل كامل في منظومة توزيع المياه بأغلب البلديات، والتي لم تعد قادرة سوى على ضخ 20% فقط مما كانت عليه سابقاً، مما خلق عجزاً بنسبة 80% في التوزيع، وانخفضت حصة الفرد دون الحدود الدنيا التي حددتها المنظمات الدولية خلال الحروب (14 لتراً يومياً)؛ فبينما كانت حصة الفرد سابقاً حوالي 80 لتراً، فإنها لم تتجاوز في بعض المناطق خلال هذه الحرب حوالي 3 لترات فقط.

وفيما يخص أزمة مياه الصرف الصحي، أفاد رئيس بلدية المغازي، بأن الاحتلال دمر جل محطات التحلية في مختلف مناطق قطاع غزة، ومئات الكيلومترات من شبكات المياه والخطوط الناقلة داخل البلديات، بالإضافة إلى تدمير شبكات الصرف الصحي و5 محطات معالجة رئيسية كانت تعالج المياه العادمة في مختلف المحافظات.

وبيّن خطورة هذا التدمير قائلاً: "أصبحت مياه الصرف الصحي تُضخ بالكامل إلى البيئة البحرية دون معالجة مطلقة كصرف صحي خام، حيث نتحدث عن ضخ ما بين 60 إلى 80 ألف كوب يومياً في البيئة الشاطئية، مما أدى إلى تلوث البحر وجعله على طول امتداد شاطئ قطاع غزة غير صالح للسباحة، بعد أن كانت المياه سابقاً تُضخ بشكل معالج".

ولا يتوقف التدهور البيئي عند هذا الحد، بل يمتد إلى أزمة النفايات المتراكمة، إذ شرح رئيس البلدية كيف قيّد الاحتلال وصول البلديات وترحيلها للنفايات إلى المكبات الرئيسية مثل مكب صوفا ومكب جحر الديك وبعض المكبات المؤقتة في الشمال، وهو ما جعل البلديات عاجزة تماماً عن ترحيلها.

وأدى ذلك إلى تشكّل حوالي 23 مكباً عشوائياً كبيراً في مختلف مناطق قطاع غزة يحتوي كل منها على آلاف الأطنان، ناهيك عن عشرات المكبات الصغيرة.

وكشف مصلح عن تراكم حوالي مليون طن من النفايات في قطاع غزة على مدار سنوات الحرب، منها حوالي 380 ألف طن في مكب سوق فراس وحده، محذراً من أن هذه المكبات العشوائية غير مصممة صحياً ولا بيئياً، وفي بعض المناطق يكون ارتفاع المياه الجوفية قريباً من السطح والتربة رملية، مما يجعل عصارة النفايات ترشح إلى الخزان الجوفي وتلوث المياه والتربة.

وعن التداعيات الصحية المباشرة على المواطنين، أوضح م. محمد مصلح أن الحروب تشهد اختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي بطريقتين؛ إما بشكل مباشر نتيجة اهتراء كافة الشبكات ووجود أعطال وتسريبات واسعة بها، حيث تنتقل مياه الصرف الصحي المنتشرة في كل مكان إلى داخل أنابيب مياه الشرب عند انقطاع المياه، لتصل إلى المواطنين مختلطة ومحملة بالطفيليات والممرضات عند إعادة الضخ.

وتابع: "أو بشكل غير مباشر من خلال انتشار عشرات المستنقعات لتجميع مياه الصرف الصحي، إضافة إلى وجود حوالي 320 ألف حفرة امتصاصية، ترشح مياهها العادمة إلى باطن الأرض وتلوث المياه الجوفية، مما يهدد بحدوث كارثة صحية كبيرة وانتقال الأوبئة".

ووصف مصلح المكبات العشوائية بأنها مكرهة صحية تنبعث منها روائح كريهة، وتشتعل فيها النيران في أي وقت لعدم وجود تجهيزات مما يلوث الجو بالأدخنة والغبار، فضلاً عن انتشار القوارض التي تتغذى على المواد العضوية وبواقي الأكل، وخطورة انتشار المواد السامة في التربة والمياه الجوفية.

ووصف رئيس بلدية المغازي الواقع التشغيلي للبلديات بالمنهار تماماً، حيث فقدت مقارها، وآلياتها، وجزءاً من موظفيها، في حين قل الدعم بشكل كبير جداً وزاد الضغط والطلب عليها نتيجة تدفق النازحين من بلديات أخرى.

وتطرق مصلح إلى طبيعة المعوقات الميدانية مشيراً إلى شُح السولار والزيوت واهتراء الآليات الخاصة بجمع النفايات أو صيانة الصرف الصحي كالجيتارات والتوك توكات، والتي أصبحت منتهية الصلاحية وأعطالها متكررة، وصيانتها باهظة الثمن مع انعدام قطع الغيار والمواد الخام الأساسية كالإسمنت والمناهل والمواسير.

واستعرض أبرز الصعوبات الحالية التي تواجه بلدية المغازي تحديدا، والمتمثلة في عدم كفاية السولار المورد لتشغيل الآبار، ونقص المولدات، ونقص قطع الغيار، إلى جانب الارتفاع الفاحش في أسعار الزيوت التي قفزت من 10 شواكل للتر إلى حوالي 2000 شيكل أو يزيد، وتكون مغشوشة في أحيان كثيرة، فضلاً عن عدم توفر آبار كافية جاهزة بكامل توابعها من غرف ومولدات وشبكات كهرباء.

وأكد مصلح أن الهاجس الأكبر يكمن في الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة من المناطق الشرقية بالقصف وإطلاق النار، والخشية المستمرة من تقدم المكعبات الصفراء إلى داخل المخيم، وبما أن بعض المرافق الحيوية للبلدية تقع قرب المنطقة الشرقية وتلك المكعبات، فإن هناك خطورة كبيرة جداً تحدق بحياة العمال والموظفين خلال تأدية واجبهم وتقديم خدماتهم الرئيسية للمواطنين.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر