محلل سياسي: جولة القاهرة الحالية تستهدف تثبيت الضمانات واختبار آليات التنفيذ أكثر من إعلان تفاهمات نهائية

الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة

خاص / شهاب

قال الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إن عودة وفد حركة حماس إلى القاهرة بعد فترة وجيزة من الجولة السابقة تعكس وجود حراك تفاوضي متسارع، وتشير إلى أن المفاوضات انتقلت من مرحلة تبادل المواقف والرؤى العامة إلى مرحلة أكثر حساسية ترتبط باختبار آليات التنفيذ ومعالجة التفاصيل العالقة. وأوضح أن سرعة عودة الوفد لا ينبغي تفسيرها على أنها مؤشر على إنجاز اتفاق نهائي أو التوصل إلى تفاهمات مكتملة، لكنها تعكس وجود رغبة لدى الوسطاء والأطراف المعنية في استثمار الزخم الحالي لمحاولة تضييق الفجوات المتبقية والدفع باتجاه تثبيت التفاهمات القائمة.

وأضاف عفيفة أن النقاشات الجارية تتركز بصورة أساسية حول استكمال استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، وفي مقدمتها تعزيز دخول المساعدات الإنسانية، وتثبيت وقف إطلاق النار، ومعالجة الملفات الإنسانية العالقة، إلى جانب وضع الترتيبات اللازمة للانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.

ولفت إلى أن طبيعة الجولة الحالية توحي بأنها أقرب إلى جولة تهدف إلى تثبيت الضمانات السياسية والتنفيذية، أكثر من كونها جولة مخصصة للإعلان عن اتفاق شامل، خاصة في ظل استمرار التعقيدات الميدانية والسياسية التي ما زالت تؤثر في مسار التفاوض.

وأشار إلى أن المشهد لا يزال معقدًا بسبب استمرار الاحتلال "الإسرائيلي" في ارتكاب خروقات ميدانية رغم الهدنة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الثقة بين الأطراف، كما أن عدداً من الملفات الجوهرية لا يزال بحاجة إلى تفاهمات واضحة وضمانات عملية تحول دون العودة إلى حالة التعطيل أو المماطلة، الأمر الذي يجعل المفاوضات تسير بوتيرة دقيقة وحساسة.

وفيما يتعلق باستقالة لجنة إدارة قطاع غزة، قال عفيفة إن هذه الخطوة تحمل دلالات سياسية وإدارية مهمة، إذ تستهدف إزالة إحدى أبرز الذرائع التي كانت تُستخدم خلال المرحلة الماضية لتأخير تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإدارة القطاع. وأوضح أن حركة حماس تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توجيه رسالة واضحة للوسطاء، وفي مقدمتهم مصر، وكذلك للأطراف الدولية، بأنها أنجزت ما هو مطلوب منها فيما يتعلق بالترتيبات الإدارية، وأن أي تأخير لاحق في تشكيل الإدارة الجديدة أو مباشرة عملها لن يكون مرتبطًا بالموقف الفلسطيني، وإنما بالأطراف التي تعطل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وأكد أن استقالة اللجنة تمثل خطوة عملية في الاتجاه الصحيح، ويمكن اعتبارها جزءًا من مسار تنفيذ التفاهمات الفلسطينية التي ترعاها مصر، لكنها تبقى غير كافية إذا لم تتبعها إجراءات فعلية على الأرض. وبيّن أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة ستظهر عندما تتمكن اللجنة الوطنية المتوافق عليها من دخول قطاع غزة ومباشرة عملها، وتسلم الملفات الخدمية والإدارية بشكل كامل، مع توفير ضمانات حقيقية تمنع الاحتلال "الإسرائيلي" من عرقلة عملها أو إبقائها مجرد إطار شكلي لا يمتلك صلاحيات تنفيذية.

وأضاف عفيفة أن نجاح أي ترتيبات سياسية أو إدارية في قطاع غزة سيظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الضامنة على إلزام الاحتلال "الإسرائيلي" بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لأن التجارب السابقة أثبتت أن العقبة الأساسية لم تكن في التوافقات الفلسطينية بقدر ما كانت في استمرار محاولات الاحتلال تعطيل تنفيذها وفرض وقائع جديدة على الأرض تخدم أهدافه السياسية والأمنية.

وحول أهمية التوصل إلى توافق فلسطيني بشأن إدارة قطاع غزة، شدد عفيفة على أن هذا الملف أصبح يمثل إحدى الركائز الأساسية في المرحلة الحالية، ليس فقط لإدارة الشؤون الداخلية، وإنما أيضًا لتعزيز الموقف الفلسطيني في أي مسار سياسي مقبل. وأوضح أن وجود جسم فلسطيني متوافق عليه يمنح الفلسطينيين عنوانًا سياسيًا وإداريًا موحدًا، ويغلق الباب أمام أي محاولات لفرض بدائل مجزأة أو إنشاء إدارات منفصلة يمكن أن تؤدي إلى تكريس الانقسام أو فرض حلول خارج الإرادة الفلسطينية.

وأشار إلى أن هذا التوافق يسحب كذلك من الاحتلال "الإسرائيلي" واحدة من أهم الذرائع التي ظل يطرحها خلال الفترة الماضية، وهي الادعاء بعدم وجود جهة فلسطينية جاهزة لتولي إدارة قطاع غزة. وقال إن وجود لجنة وطنية متوافق عليها ومستعدة لتسلّم مهامها يجعل أي تعطيل لانتقال الإدارة قرارًا سياسيًا "إسرائيليًا" مكشوفًا أمام الوسطاء والمجتمع الدولي، ولا يمكن تبريره باعتبارات فنية أو إدارية.

وأكد عفيفة أن التوافق الفلسطيني يكتسب أهمية إضافية في ظل ما وصفه بمحاولات الاحتلال "الإسرائيلي" هندسة مشهد اليوم التالي للحرب، من خلال فرض وقائع أمنية وإدارية جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية نهائية.

وأضاف أن الاحتلال يسعى إلى استثمار استمرار سيطرته على أجزاء واسعة من قطاع غزة لتكريس ترتيبات تخدم أجندته المستقبلية، وهو ما يجعل وجود موقف فلسطيني موحد وإدارة وطنية متوافق عليها عاملًا أساسيًا في إفشال هذه المحاولات، وتعزيز القدرة الفلسطينية على حماية وحدة القطاع ومنع فرض حلول تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر