تقرير "أنت هنا في أرضنا كجذورنا الأنقى".. محمد الضيف.. عامان على الغياب والحضور الذي لا ينطفئ

خاص / شهاب

شكل إعلان استشهاد القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام، محمد الضيف، لحظة مفصلية وفارقة أنهت فصلًا امتد لعقود من المطاردة والاختفاء والنجاة. فالرجل الذي اعتاد الفلسطينيون سماع صوته أكثر من رؤية ملامحه، وتحوّل في الوعي الجمعي إلى "شبح" استعصى على أجهزة الاستخبارات "الإسرائيلية" سنوات طويلة، ظل حاضرًا في كل مواجهة، بوصفه اسمًا ارتبط بالتخطيط والسرية وإدارة المعارك من خلف الستار، قبل أن يُستهدف في الرابع عشر من يوليو/تموز 2024، خلال الحرب على قطاع غزة، لتعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام، بعد ستة أشهر، استشهاده رسميًا.

محطات مفصلية

وعلى مدار أكثر من عقدين، تصدّر محمد الضيف قائمة المطلوبين لدى الاحتلال، الذي سخّر قدراته الاستخباراتية والعسكرية لتعقبه، ونفّذ بحقه سلسلة من محاولات الاغتيال، غير أنها أخفقت في الوصول إليه، رغم ما خلّفته من إصابات بالغة واستشهاد عدد من أفراد أسرته.

وبين ظهوره الإعلامي النادر واعتماده السرية المطلقة في تحركاته، تحوّل الضيف إلى واحدة من أكثر الشخصيات غموضًا في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وإلى رمز ارتبط، في الوجدان الفلسطيني، بالصمود في وجه محاولات الاستهداف المتكررة.

وفي الذكرى الثانية لاستشهاده، يعود اسم محمد الضيف إلى الواجهة، بوصفه أحد أبرز القادة العسكريين الذين تركوا بصمة عميقة في مسيرة كتائب القسام، وأسهموا في بناء قدراتها وتطوير أدائها على مدار عقود.

كما تستحضر هذه الذكرى مسيرة قائد ارتبط اسمه بمحطات مفصلية في تاريخ المقاومة الفلسطينية، في وقت تؤكد فيه التجربة الممتدة أن سياسة الاغتيالات التي انتهجها الاحتلال لم تنجح في إنهاء المقاومة أو وقف تطورها، بل بقيت دماء القادة الشهداء جزءًا من مسيرة متواصلة، يتوارث فيها اللاحقون الراية ممن سبقوهم.

وُلد محمد دياب إبراهيم المصري، المعروف بـ"محمد الضيف"، عام 1965 في مخيم خان يونس، جنوب قطاع غزة، لأسرة فلسطينية هُجّرت من قرية القبيبة خلال نكبة عام 1948، شأنها شأن آلاف العائلات التي وجدت نفسها تعيش حياة اللجوء في المخيمات. وفي تلك البيئة التي طبعتها قسوة اللجوء وشح الإمكانات، نشأ الضيف وسط أسرة بسيطة، واضطر، منذ سنواته الأولى، إلى مساعدة والده في أعمال الغزل والتنجيد، كما عمل في تربية الدواجن وقيادة المركبات، وهي ظروف فرضت عليه، في بعض المراحل، التوقف عن الدراسة للمساهمة في إعالة أسرته.

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، واصل تعليمه حتى التحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث درس العلوم، وأبدى اهتمامًا بالأنشطة الثقافية والفنية، وشارك في المسرح الجامعي، قبل أن تتجه حياته تدريجيًا نحو العمل التنظيمي والعسكري، مع تصاعد الأحداث في الأراضي الفلسطينية خلال ثمانينيات القرن الماضي.

 قائمة المطلوبين

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، انخرط الضيف في صفوف الحركة الإسلامية، ثم كان من أوائل المنضمين إلى حركة حماس عقب تأسيسها، ليبدأ مسيرة تنظيمية وعسكرية امتدت لعقود. ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى اعتقلته سلطات الاحتلال عام 1989، وقضى نحو ستة عشر شهرًا في السجن، في تجربة شكّلت محطة مبكرة في مسيرته، قبل أن يخرج ليواصل نشاطه داخل الجناح العسكري، الذي كان لا يزال في طور التأسيس.

ومنذ تلك المرحلة، بدأ اسم محمد الضيف يبرز بين الكوادر العسكرية الشابة، مستفيدًا من قدرته على العمل بعيدًا عن الأضواء، وحرصه على السرية والانضباط، وهي سمات لازمته طوال سنوات نشاطه، وأسهمت لاحقًا في تشكيل شخصيته بوصفه أحد أكثر القادة الفلسطينيين غموضًا، وأكثرهم استعصاءً على الملاحقة الإسرائيلية.

بعد خروجه من سجون الاحتلال مطلع تسعينيات القرن الماضي، واصل محمد الضيف نشاطه داخل الجناح العسكري لحركة حماس، وكان من بين الكوادر التي شاركت في بناء وتطوير كتائب الشهيد عز الدين القسام في مراحلها الأولى، إلى جانب عدد من قادتها المؤسسين. ومع اغتيال عدد من القيادات العسكرية تباعًا، تولى مسؤوليات أكبر داخل الكتائب، إلى أن أصبح قائدًا عامًا لها عام 2002، عقب اغتيال القائد صلاح شحادة في غارة إسرائيلية استهدفته بمدينة غزة.

ومنذ توليه قيادة القسام، ارتبط اسم الضيف بمرحلة شهدت توسعًا ملحوظًا في القدرات العسكرية للكتائب، سواء على صعيد إعادة تنظيم بنيتها الداخلية، أو تطوير وسائل القتال، أو تعزيز التصنيع العسكري المحلي، في ظل حصار مشدد وعمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة استهدفت البنية القيادية والعسكرية للحركة.

وخلال تلك السنوات، تبنت كتائب القسام استراتيجية تقوم على تنويع أدوات المواجهة، شملت تطوير قدراتها الصاروخية، وتوسيع العمل في الأنفاق، وتعزيز وحداتها المتخصصة، بما في ذلك وحدات الهندسة والتصنيع العسكري، وهو ما انعكس على طبيعة المواجهات التي خاضتها مع الاحتلال في أكثر من محطة، من دون أن تظهر تفاصيل تذكر عن الدور اليومي الذي كان يؤديه الضيف، نتيجة اعتماده السرية المطلقة في إدارة العمل العسكري وابتعاده الكامل عن الظهور الإعلامي.

على امتداد أكثر من عقدين، ظل محمد الضيف على رأس قائمة المطلوبين لدى الاحتلال "الإسرائيلي"، الذي اعتبره أحد أبرز قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، وأكثرهم تأثيرًا في العمل العسكري للحركة. وخلال تلك السنوات، نفذت "إسرائيل" سلسلة من محاولات الاغتيال التي استهدفته في أوقات وأماكن مختلفة، إلا أنها أخفقت مرارًا في إنهاء مسيرته، رغم ما خلّفته بعض تلك العمليات من إصابات جسدية وخسائر إنسانية مؤلمة.

وتشير المصادر إلى أن الضيف نجا من سبع محاولات اغتيال رئيسية بين عامي 2001 و2021، تفاوتت في طبيعتها ونتائجها. وكانت من بين أكثرها خطورة المحاولة التي تعرض لها عام 2002، والتي أسفرت عن إصابته بجروح بالغة. وبينما قالت "إسرائيل" إنه فقد أجزاءً من أطرافه وأصيب بإعاقات دائمة، لم تصدر تأكيدات فلسطينية رسمية بشأن طبيعة تلك الإصابات، الأمر الذي أبقى كثيرًا من التفاصيل في دائرة الغموض التي أحاطت بحياته.

ولم تتوقف محاولات استهدافه عند ذلك؛ ففي أغسطس/آب 2014، وخلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، شنّ الاحتلال غارة عنيفة استهدفت منزلًا في مدينة خان يونس، معتقدًا أن الضيف كان بداخله. وأسفر القصف عن استشهاد زوجته وطفليه، فيما أعلن الاحتلال، آنذاك، أنه يواصل التحقق من مصيره، قبل أن يتبين لاحقًا أنه نجا من الاستهداف.

اسمه حاضرًا

وتكررت محاولات اغتياله خلال العدوان على قطاع غزة في مايو/أيار 2021، عندما أعلن جيش الاحتلال تنفيذ عمليات استهدفت قيادات في كتائب القسام، كان الضيف من بينهم، إلا أن تلك المحاولات لم تحقق هدفها، ليظل اسمه حاضرًا على رأس قائمة المطلوبين، ويستمر ظهوره مقتصرًا على رسائل صوتية في محطات مفصلية.

وبحلول صيف عام 2024، عاد اسم محمد الضيف إلى واجهة المشهد مع إعلان الاحتلال استهدافه في غارة على منطقة خان يونس، بتاريخ 14 يوليو/تموز، قبل أن تعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام، بعد نحو ستة أشهر، استشهاده رسميًا، لتنتهي بذلك رحلة مطاردة امتدت سنوات طويلة، وكانت من بين الأطول في تاريخ الصراع مع الاحتلال.

ورغم انتهاء تلك المطاردة باستشهاده، فإن مسارها عكس حجم الأهمية التي أولتها "إسرائيل" لاستهدافه، كما كشف، في المقابل، عن إخفاق متكرر في تحقيق هذا الهدف على مدار سنوات، في ظل الإجراءات الأمنية المشددة التي أحاطت بتحركاته، والسرية التي اتبعها في إدارة عمله داخل كتائب القسام.

لم يكن استشهاد محمد الضيف، بالنسبة للفلسطينيين، مجرد رحيل قائد عسكري، بل نهاية فصل طويل ارتبط بواحدة من أكثر الشخصيات غموضًا في تاريخ المقاومة الفلسطينية. فعلى مدار سنوات، ظل اسمه حاضرًا في كل حرب شهدها قطاع غزة، فيما بقيت أخباره شحيحة، وظهوره الإعلامي نادرًا، الأمر الذي رسّخ صورته في الوعي الشعبي بوصفه القائد الذي يدير المعركة من خلف الستار، ويستعصي على محاولات الاغتيال المتكررة.

وعندما أعلن الاحتلال، في يوليو/تموز 2024، استهدافه في غارة على مدينة خان يونس، سادت حالة من الترقب، كما حدث في مرات سابقة أعلنت فيها "إسرائيل" اعتقادها أنها نجحت في الوصول إليه، قبل أن يظهر اسمه مجددًا أو يتبين أنه نجا من الاستهداف. لذلك، بقي مصيره محل متابعة حتى أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، بعد نحو ستة أشهر، استشهاده رسميًا، لتنتهي بذلك سنوات طويلة من التكهنات والمطاردة.

رمزية الشخصية

وبالنسبة لكثير من أبناء قطاع غزة، لم يكن محمد الضيف مجرد قائد عسكري، بل ارتبط اسمه بصورة الرجل الذي أفلت مرارًا من محاولات الاغتيال، حتى بات حضوره جزءًا من الذاكرة اليومية للحروب والمواجهات. فمنذ سنوات طويلة، اعتاد الفلسطينيون أن يسمعوا صوته في اللحظات المفصلية، بينما بقيت صورته غائبة، في مشهد عزّز رمزية الشخصية أكثر مما صنعها الظهور الإعلامي.

ورغم أن استشهاده شكّل لحظة فارقة لدى كثير من الفلسطينيين، فإن حضوره لم يتوقف عند حدود شخصه، إذ بقي اسمه مرتبطًا بالمرحلة التي شهدت تحولًا كبيرًا في تطور القدرات العسكرية لكتائب القسام، وبنهج اعتمد السرية، والعمل التراكمي، وإعداد الكوادر، وهي سمات حرصت الحركة على التأكيد أنها لا ترتبط بفرد واحد، وإنما بمؤسسة تتواصل فيها المسؤوليات جيلًا بعد جيل.

وفي الذكرى الثانية لاستشهاده، لا يُستعاد اسم محمد الضيف بوصفه قائدًا غاب عن الميدان فحسب، بل باعتباره أحد أبرز الوجوه التي طبعت مسيرة المقاومة الفلسطينية خلال العقود الأخيرة، وواحدًا من القادة الذين ارتبطت سيرتهم بمحطات مفصلية في تاريخ الصراع مع الاحتلال. كما تعود سيرته لتؤكد، كما تؤكد سير قادة آخرين سبقوه، أن سياسة الاغتيالات التي انتهجها الاحتلال على مدى عقود لم تُنهِ مسيرة المقاومة، بل ظلت جزءًا من مواجهة مفتوحة، رحل خلالها قادة، فيما استمرت التنظيمات التي أسهموا في بنائها، وتعاقبت عليها أجيال جديدة حملت المسؤولية من بعدهم.

واختُتمت رحلة محمد الضيف باستشهاده، إلا أن حضوره بقي راسخًا في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، بوصفه أحد القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة مفصلية من تاريخ المقاومة، لتبقى سيرتهم جزءًا من رواية شعب ما زال يخوض معركته من أجل الحرية وإنهاء الاحتلال.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر