صراع على مفتاح الوقود.. قضية طارق النتشة تكشف تشابك المال والسياسة في سلطة رام الله

لم تأتِ قضية رجل الأعمال طارق النتشة بمعزل عن سوق المحروقات في الضفة الغربية، ولا عن العلاقة الطويلة التي ربطت شركاته بمؤسسات السلطة الفلسطينية، إذ تحولت المداهمات التي نفذتها أجهزة أمنية ورقابية لمحطات تابعة لشركة "الهدى للمحروقات" إلى بداية لملف تتداخل فيه شبهات التهرب الضريبي وتهريب الوقود مع مديونية سلطة  رام الله للموردين، وعلاقات رجل الأعمال بدوائر سياسية وأمنية، وصولًا إلى توجه حكومي لإعادة ترتيب قطاع المحروقات.

ففي منتصف يوليو/تموز الماضي، داهمت أجهزة تابعة للسلطة عددًا من محطات الوقود المرتبطة بالنتشة في رام الله والبيرة وأريحا وبيت عور، وسط حديث عن توقيف عدد من العاملين في الشركة وملاحقة مالكها، فيما لم تقدم الجهات الرسمية في بداية القضية تفاصيل كاملة عن طبيعة المخالفات التي استندت إليها الإجراءات، الأمر الذي ترك المجال مفتوحًا أمام روايات متعددة حول خلفيات الملف.

شبهات بتجارة الوقود

وتتحدث الرواية الرسمية المتداولة عن مخالفات مالية وضريبية وشبهات مرتبطة بتجارة الوقود، فيما ترى مصادر سياسية تحدثت لـ"العربي الجديد" أن هذه الاتهامات لا تفسر وحدها طبيعة التصعيد، معتبرة أن من الصعب فصل ما يجري عن علاقة النتشة الممتدة منذ سنوات بشخصيات نافذة داخل السلطة، خصوصًا أن شركاته كانت تتعامل بصورة واسعة مع مؤسسات حكومية وأمنية، وكانت السلطة نفسها من كبار المستهلكين للوقود الذي توفره شركاته.

وتقول المصادر إن فتح الملف في هذا التوقيت يثير علامات استفهام، إذ لم يكن النتشة وافدًا جديدًا على السوق أو على التعامل مع مؤسسات السلطة، بل يدير نشاطًا في قطاع المحروقات منذ عقود، ما يعني أن الجهات الرسمية كانت تتعامل طوال هذه السنوات مع شركة تخضع للرقابة الحكومية وتعمل في سوق لا يمكن إدارتها من دون المرور بسلسلة من الإجراءات الرسمية والمالية والضريبية.

ولا تقدم هذه المعطيات وحدها دليلًا على أن القضية سياسية، لكنها تضع توقيت الملاحقة وعلاقتها بالخلافات داخل دوائر السلطة في صلب القصة، خصوصًا مع الحديث عن شبكة علاقات سياسية واجتماعية واسعة للنتشة، وعن قربه من شخصيات في مواقع متقدمة داخل السلطة وحركة فتح خلال سنوات طويلة.

وفي مقابل رواية تصفية الحسابات، تبقى هناك اتهامات مالية وقانونية يتعين التعامل معها بجدية، خصوصًا ما يتعلق بالضرائب وتداول الوقود، غير أن تفاصيل هذه الاتهامات لم تُعرض حتى الآن بصورة كاملة أمام الرأي العام، ولم تنشر لائحة اتهام تفصيلية توضح طبيعة المخالفات وحجم الأموال محل النزاع والمسؤوليات المحددة لكل طرف.

وتزداد أهمية الجانب المالي في القضية مع ظهور أرقام كبيرة حول المستحقات المتبادلة بين السلطة وشركات المحروقات، إذ تحدثت مصادر في القطاع عن ديون حكومية متراكمة لصالح موردي الوقود، بينما قال القيادي في حركة فتح سميح خلف إن السلطة مدينة للنتشة وحده بنحو 70 مليون دولار، في حين ظهرت تقديرات أخرى تتحدث عن أكثر من 70 مليون شيكل كمستحقات لصالح موردي المحروقات.

ويكشف اختلاف الأرقام حجم الغموض الذي يحيط بالملف المالي، خصوصًا أن العلاقة بين السلطة وشركات الوقود لم تكن قائمة على معاملات نقدية مباشرة، وإنما على توريد مستمر لمؤسسات حكومية وأمنية، وما يترتب على ذلك من فواتير ومستحقات وضرائب وتسويات مالية تتراكم مع الوقت.

مديونية السلطة

وفي حال ثبتت مديونية السلطة للنتشة بمبالغ كبيرة، فإن ذلك يضيف طبقة أخرى إلى القضية، لأن الرجل الذي يخضع نشاطه للتحقيق كان في الوقت نفسه موردًا لمؤسسات السلطة ودائنًا لها، وفق الروايات المتداولة، وهو ما يجعل معرفة تفاصيل العقود وقيمة التوريدات والمدفوعات المتأخرة جزءًا أساسيًا من فهم الخلاف الحالي.

ولا تتوقف أهمية هذه النقطة عند العلاقة المالية بين الطرفين، إذ إن قطاع المحروقات الفلسطيني يرتبط مباشرة بالخزينة العامة، نظرًا إلى الضرائب المفروضة على الوقود، كما يرتبط بالمؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية وقطاعات النقل، ما يجعل الشركات العاملة فيه جزءًا من منظومة اقتصادية تتقاطع فيها المصالح التجارية مع القرار الحكومي.

ومن هذه الزاوية، يصبح انتقال العلاقة بين السلطة وشركة الهدى من سنوات من التعامل التجاري إلى مداهمات وتحقيقات تطورًا يستحق التوقف عنده، خصوصًا أن أي مخالفات مفترضة في عمليات التوريد أو الضرائب يفترض أن تكون قابلة للتتبع عبر سجلات الاستيراد والفواتير والبيانات الجمركية والملفات الضريبية والعقود الحكومية.

أما الاتهامات المتعلقة بتهريب الوقود، فقد ظهرت ضمن الروايات التي رافقت القضية، لكنها تحتاج إلى ما يثبت ارتباطها مباشرة بشركات النتشة، لأن وجود سوق للوقود المهرب في الضفة الغربية، وهي ظاهرة سبق أن تناولتها تقارير فلسطينية وحذرت من آثارها على الخزينة والسوق، لا يشكل بحد ذاته دليلًا على تورط شركة بعينها.

والمفارقة أن النتشة نفسه ظهر في تقارير فلسطينية سابقة تتناول ظاهرة الوقود المهرب والمغشوش، متحدثًا عن مخاطرها على السوق الفلسطينية والخزينة، وهو ما يجعل العودة إلى تلك المرحلة مهمة لفهم موقع الرجل داخل قطاع المحروقات، وكيف انتقل من أحد المتعاملين المعروفين في السوق إلى طرف رئيسي في قضية أمنية ومالية أثارت جدلًا واسعًا.

ويكتسب الملف بعدًا سياسيًا أكبر مع ما أثير حول علاقات النتشة بعدد من الشخصيات النافذة في السلطة، إذ تتحدث مصادر وتقارير عن علاقات امتدت لأكثر من 25 عامًا، فيما ظهرت أسماء مسؤولين وقيادات سياسية في سياق الحديث عن شبكة علاقاته، من دون أن يعني ذلك بحد ذاته وجود مخالفات أو مصالح غير مشروعة، ما لم تكشف الوثائق عن ارتباط تلك العلاقات بالعقود أو الامتيازات التجارية.

لكن اللافت أن القضية جاءت في مرحلة تشهد فيها السلطة ضغوطًا مالية كبيرة ومحاولات لإعادة تنظيم عدد من القطاعات الاقتصادية، في وقت أصبح فيه التحكم بسوق المحروقات أكثر حساسية، ليس فقط بسبب عائداته المالية، وإنما بسبب ارتباطه المباشر بعمل المؤسسات الحكومية والأمنية وحركة السوق اليومية.

حقيقة الاتهامات

وفي خضم الأزمة، برز توجه حكومي لإنشاء شركة حكومية للمحروقات تتولى شراء الوقود وتخزينه، مع استمرار هيئة البترول في دورها الرقابي، وهو تطور يضيف بعدًا جديدًا إلى قضية النتشة، لأن إعادة تنظيم السوق تأتي في الوقت نفسه الذي تواجه فيه إحدى أكبر الشركات الخاصة العاملة في القطاع أزمة مع السلطة.

ولا يعني تزامن التطورين بالضرورة وجود علاقة مباشرة بينهما، لكنه يجعل مستقبل سوق المحروقات جزءًا لا يمكن فصله عن القضية، خصوصًا إذا انتهت الأزمة بخروج شركة الهدى من المشهد أو بتراجع دورها في السوق، مقابل توسع الحضور الحكومي في عمليات الشراء والتخزين والتوزيع.

وتشير التجربة السابقة لسوق المحروقات إلى أن هذا القطاع ظل طوال سنوات ساحة لتداخل المصالح التجارية والجباية الحكومية والرقابة الرسمية، فيما بقيت الشركات الخاصة تعتمد بصورة كبيرة على علاقتها بالمؤسسات الحكومية وعلى قدرتها على تأمين الاستيراد والتوزيع ضمن نظام شديد الحساسية سياسيًا واقتصاديًا.

ولهذا فإن قضية النتشة لا تقف عند حدود رجل أعمال يواجه اتهامات مالية، ولا عند حدود سلطة تقول إنها تطبق القانون، بل تكشف طبيعة العلاقة بين المال الخاص ومراكز القرار في السلطة، خصوصًا عندما يكون رجل الأعمال طرفًا في سوق تعتمد عليه مؤسسات الدولة نفسها، ثم يجد نفسه في مواجهة الأجهزة التي كانت تتعامل مع شركاته لسنوات.

وتبقى حقيقة الاتهامات الموجهة إلى النتشة مرتبطة بما ستكشفه التحقيقات والوثائق الرسمية، لكن الجانب السياسي من القضية لن يحسمه الاتهام أو النفي، وإنما تسلسل الأحداث نفسه: شركة كانت تعمل لسنوات مع مؤسسات السلطة، ومستحقات مالية متراكمة بالملايين وفق روايات متعددة، ثم مداهمات وتحقيقات، بالتزامن مع حديث عن إعادة تشكيل سوق المحروقات ودخول الحكومة بصورة أكبر إلى هذا القطاع.

قصة أوسع

وفي ظل غياب تفاصيل رسمية كاملة عن الملف المالي والضريبي، تبقى قضية طارق النتشة واحدة من أكثر الملفات التي تكشف حجم التشابك بين التجارة والقرار السياسي داخل السلطة الفلسطينية، حيث لا يتعلق الصراع فقط بمن يبيع الوقود ومن يشتريه، وإنما بمن يملك القدرة على التحكم في أحد أهم مفاتيح الاقتصاد الفلسطيني، ومن يملك القرار في إبقاء هذا المفتاح بيد القطاع الخاص أو نقله إلى الدولة.

وهنا تحديدًا تصبح قضية النتشة جزءًا من قصة أوسع عن المال والنفوذ داخل السلطة، وعن الطريقة التي يمكن بها لخلاف مالي مع رجل أعمال أن يتحول إلى صراع على قطاع كامل، وعلى شبكة المصالح التي تشكلت حوله طوال سنوات.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر