من صبرا وشاتيلا إلى الدفاع عن فلسطين.. سوي تشاي آنغ في مرمى "معاداة السامية"

عادت الطبيبة سوي تشاي آنغ إلى الواجهة في بريطانيا خلال 2026، بعدما أعيد نشر تفاصيل قضية سحب دعوتها من مؤتمر لطلاب الطب، في واقعة تعود إلى أبريل/نيسان 2025، حين ألغت الجمعية الطبية البريطانية دعوتها إليها لإلقاء كلمة أمام نحو 300 من القيادات الطلابية الطبية في البلاد، على خلفية مادة كانت قد شاركتها قبل أكثر من عقد ووصفتها الجمعية بأنها معادية للسامية.

أربعة عقود

وقالت الجمعية إن قرارها جاء بعدما علمت بأن آنغ شاركت في السابق مادة لم تكتبها بنفسها واعتبرتها معادية للسامية، مؤكدة أن هذه المعلومات لم تكن معروفة عندما وجهت إليها الدعوة. وكانت الجمعية قد أبلغت الطبيبة بقرار إلغاء مشاركتها في ديسمبر/كانون الأول 2024، قبل انعقاد المؤتمر في العام التالي، فيما قالت آنغ إن رسالتها تقوم على "السلام والإنسانية"، وإن إلغاء دعوتها أدخل السياسة في رسالة يفترض أن تكون قائمة على رعاية المرضى.

وتعود الواقعة إلى عام 2014، عندما شاركت آنغ رابطًا لمقطع فيديو من إنتاج ديفيد ديوك، الزعيم السابق لجماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية في الولايات المتحدة، وتضمن الفيديو مضامين ونظريات مؤامرة معادية لليهود. وقالت آنغ إنها لم تكن تعرف هوية ديوك أو خلفيته عندما شاركت الرابط، وإنها سحبت المادة واعتذرت بعدما عرفت مصدرها. وظلت الواقعة حاضرة في الجدل حولها لسنوات، قبل أن تعود إلى الواجهة من بوابة الجمعية الطبية البريطانية.

لكن خلف هذه القضية طبيبة بدأت علاقتها بالفلسطينيين قبل أكثر من أربعة عقود، في وقت لم تكن فيه ناشطة سياسية أو مدافعة عن القضية الفلسطينية. ففي صيف عام 1982، كانت آنغ جراحة عظام شابة تعمل في لندن، قبل أن تستقيل من عملها وتنضم إلى فريق طبي تابع لـ"كريستيان إيد" لعلاج المصابين خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

وصلت إلى مستشفى غزة التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في مخيم شاتيلا، حيث تولت مسؤولية قسم جراحة العظام. وتقول في شهادة نشرتها "مساعدات طبية للفلسطينيين" إنها لم تكن تعرف الفلسطينيين قبل وصولها إلى بيروت، وإن احتكاكها باللاجئين في المخيمات كان بداية تعرفها إلى قصتهم.

بعد أسابيع، وجدت نفسها وسط مجزرة صبرا وشاتيلا في سبتمبر/أيلول 1982، حين تعرض مخيما اللاجئين الفلسطينيين في بيروت لمجزرة استمرت ثلاثة أيام، بينما كانت القوات الإسرائيلية تحاصر المنطقة. بقيت آنغ داخل المستشفى مع الفريق الطبي لعلاج الجرحى، قبل أن يُجبر الطاقم على مغادرة المكان تحت تهديد السلاح، وشاهدت بعد خروجها جثث المدنيين في أزقة المخيم.

لاحقًا، أدلت بشهادتها أمام لجنة "كاهان الإسرائيلية" التي حققت في المجزرة، ووثقت تجربتها في كتابها "من بيروت إلى القدس: جراحة مع الفلسطينيين"، الذي صدر عام 1989، وروت فيه ما عاشته خلال الاجتياح والمجزرة وعملها بين اللاجئين الفلسطينيين.

لم تتوقف علاقتها بالفلسطينيين عند تلك التجربة. ففي أعقاب صبرا وشاتيلا، ساعدت آنغ مع زوجها وأصدقاء لها في تأسيس منظمة "مساعدات طبية للفلسطينيين"، التي بدأت من الاستجابة للاحتياجات الصحية للاجئين الفلسطينيين، ثم توسعت برامجها في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان، وأصبحت واحدة من المؤسسات الطبية البريطانية المعروفة في مجال العمل الصحي الفلسطيني.

وعادت آنغ إلى المنطقة في مهمات طبية لاحقة، فوصلت إلى قطاع غزة عام 1988 وعملت جراحة عظام في المستشفى الأهلي العربي، كما عملت خلال وجودها في القطاع في نقل الجرحى بسيارة إسعاف. واستمرت مشاركاتها الطبية والإنسانية في فلسطين ولبنان على مدى السنوات التالية، قبل أن يتسع نشاطها ليشمل الدفاع عن الفلسطينيين في الفعاليات والحملات العامة.

أسطول طبي لكسر الحصار

وفي عام 2018، شاركت في محاولة للوصول إلى قطاع غزة ضمن أسطول طبي لكسر الحصار، قبل أن تعترض قوات الاحتلال "الإسرائيلية" القارب وتحتجز المشاركين فيه لفترة وجيزة. كما واصلت الكتابة والحديث عن أوضاع الفلسطينيين وعن آثار الاحتلال والحروب على القطاع الصحي.

في المقابل، لم تختفِ واقعة 2014 من المشهد. ومع سحب الجمعية الطبية البريطانية دعوتها، عادت إلى الواجهة بوصفها أساس القرار، بينما رأت جهات داعمة لآنغ أن استدعاء واقعة قديمة في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن نشاطها الطويل في الدفاع عن الفلسطينيين. أما الجمعية فأكدت أن قرار سحب الدعوة اتخذته اللجنة المنظمة للمؤتمر، وليس بوصفه حكمًا على مسيرة آنغ المهنية أو منعًا دائمًا لها من المشاركة في فعاليات الجمعية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، التقت آنغ ومسؤولون من حملة داعمة لها مدير السياسات والاتصالات في الجمعية الطبية البريطانية، الذي أوضح، بحسب رواية الحملة التي نشرتها في 2026، أن قرار سحب الدعوة اتخذته اللجنة المؤقتة المنظمة لمؤتمر طلاب الطب، وأن الجمعية لم تمنع آنغ من المشاركة في فعالياتها مستقبلًا.

وعندما جاء موعد المؤتمر في أبريل/نيسان 2025، لم تبتعد آنغ عن المكان. حضرت إلى مقر الجمعية الطبية البريطانية في لندن وألقت كلمتها أمام المبنى، بينما تجمع مؤيدون لها احتجاجًا على سحب دعوتها.

وبعد أكثر من أربعة عقود على وصولها إلى مخيم شاتيلا، أصبحت سوي تشاي آنغ أمام واقعة مختلفة تمامًا عن تلك التي غيرت مسار حياتها عام 1982. يومها دخلت المخيم طبيبة لعلاج جرحى الحرب، وهناك تعرفت إلى الفلسطينيين من داخل المستشفى والمخيم، قبل أن تحمل تجربتها إلى بريطانيا وتحوّلها إلى عمل طبي استمر لعقود.

أما اليوم، فعادت قصتها إلى الواجهة من داخل مؤسسة طبية بريطانية، بسبب مادة شاركتها قبل أكثر من عشر سنوات. وبين الواقعتين، تمتد مسيرة طبيبة ارتبط اسمها بفلسطين منذ صبرا وشاتيلا، وأسست مع آخرين مؤسسة جعلت الرعاية الصحية للفلسطينيين جزءًا من عملها لعقود.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر