كيف يشتري "نتنياهو" معارضيه؟.. الاستيطان والحريديم ثمن البقاء في الحكم

تكشف قراءة تحليلية نشرها الكاتب "دوف زاكيم" في مجلة "ناشيونال إنترست" تحت عنوان "في "إسرائيل"، الميزانية هي السياسة"، أن "بنيامين نتنياهو" يستخدم الموازنة الحكومية كأداة لإدارة تحالفاته السياسية وتأمين بقائه في الحكم، عبر ضخ الأموال في مشروع الاستيطان بالضفة الغربية والمؤسسات الحريدية.

وفي هذه الترجمة وإعادة الصياغة التي تقدمها "شهاب" للمادة الأصلية، يعاد بناء التحليل بما يضع تداعيات هذه السياسة على الفلسطينيين في صدارة المشهد، خصوصاً في ظل تسارع الاستيطان وتوسع البؤر الاستيطانية، بالتوازي مع تقديم مخصصات مالية للأحزاب والمؤسسات الحريدية التي يحتاج "نتنياهو" إلى دعمها داخل ائتلافه الحكومي.

مليارات الدولارات

ويرى "زاكيم" أن "نتنياهو" يعتمد بصورة أساسية على قوتين سياسيتين لضمان استمرار حكومته: المستوطنين والأحزاب الحريدية المتشددة، ولذلك تحولت الميزانية، وفق تحليله، من أداة لإدارة شؤون الدولة إلى وسيلة لشراء الدعم السياسي وإبقاء هذه القوى داخل معسكره.

ومن هنا تبدأ المفارقة التي تكشفها المادة؛ فبينما تذهب مليارات الدولارات إلى توسيع المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها في الضفة الغربية، وتُضخ مئات الملايين في المؤسسات الحريدية، يدفع الفلسطينيون الثمن على الأرض من خلال مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات والبؤر الاستيطانية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين.

يرى الكاتب أن التحول الأبرز في السياسة "الإسرائيلية" تجاه الاستيطان ظهر في السنوات الأخيرة، بعدما انتقلت حكومات الاحتلال من التعامل مع بعض البؤر الاستيطانية باعتبارها تجمعات غير قانونية إلى دعم إنشاء مستوطنات جديدة بصورة علنية.

ويستعرض المقال مسار الاستيطان منذ حرب عام 1967، مشيراً إلى أن حكومات حزب العمل أقامت خلال العقد الأول الذي أعقب الحرب نحو 30 مستوطنة في الضفة الغربية، وكان تبريرها الأساسي مرتبطاً بالاعتبارات الأمنية.

لكن هذا المسار تغير بصورة كبيرة بعد وصول "مناحيم بيغن" إلى رئاسة الحكومة عام 1977، إذ بدأ عدد المستوطنات بالارتفاع بصورة متسارعة.

وبحسب الأرقام التي يستند إليها المقال، تضاعف عدد المستوطنات التي أقرتها المحاكم "الإسرائيلية" قانونياً نحو خمس مرات، بينما أقام المستوطنون نحو 400 بؤرة استيطانية إضافية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد، إذ يقول "زاكيم" إن حكومة "نتنياهو" الحالية لم تعد تتعامل مع هذه البؤر باعتبارها مشكلة ينبغي تفكيكها، بل باتت تدعم توسعها وتوفر له الغطاء السياسي والمالي.

ويشير إلى أن المستوطنين أقاموا، خلال الفترة التي يتناولها المقال، 185 بؤرة استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية، فيما تمت الموافقة على بناء أكثر من 40 ألف وحدة سكنية في المستوطنات، إلى جانب الموافقة على 103 مستوطنات جديدة.

ويصف الكاتب هذه الأرقام بأنها تعكس مستوى من التوسع الاستيطاني يتجاوز ما شهدته أي حكومة "إسرائيلية" سابقة.

ويضع المقال وزير مالية الاحتلال "بتسلئيل سموتريتش" في قلب هذه السياسة، باعتباره أحد أبرز المدافعين عن المشروع الاستيطاني، إلى جانب وزير الأمن "إيتمار بن غفير".

ويشير "زاكيم" إلى أن "سموتريتش"، وهو أحد سكان الضفة الغربية، استخدم موقعه في الحكومة لتخصيص أموال إضافية للمستوطنين، دون أن يواجه اعتراضاً حقيقياً من "نتنياهو".

وفي أحدث تعديل للميزانية، وفق المقال، جرى تخصيص نحو 430 مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة إضافية خلال السنوات المقبلة، إلى جانب تمويل مساكن للعائلات التي تنتقل إلى الضفة الغربية.

ومن شأن هذه الخطة، بحسب المصدر ذاته، رفع عدد المستوطنات التي وافقت عليها حكومة "نتنياهو" الحالية إلى 103.

صفقة سياسية

لكن هذه الأموال ليست سوى جزء من المخصصات الحكومية للاستيطان، إذ سبق أن خُصص نحو 900 مليون دولار في ميزانية عام 2026 لتطوير المستوطنات، فضلاً عن 2.3 مليار دولار للبنية التحتية في الضفة الغربية.

ويشير الكاتب إلى وجود أموال أخرى مخصصة للضفة الغربية في بنود مختلفة من الموازنة، ويقدر أنها قد تضيف نحو مليار دولار أخرى.

وبذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط ببناء وحدات سكنية جديدة، وإنما بمنظومة مالية واسعة تساعد على ترسيخ الوجود الاستيطاني وتوسيع البنية التحتية التي تربط المستوطنات بالمشروع الاستعماري "الإسرائيلي" في الضفة الغربية.

ومن وجهة نظر فلسطينية، تكشف هذه الأرقام أن الاستيطان لا يجري بوصفه ظاهرة هامشية يقوم بها أفراد متطرفون، وإنما يحصل على دعم سياسي ومالي من مؤسسات حكومة الاحتلال نفسها.

ويربط "زاكيم" بين هذه المخصصات وبين حاجة "نتنياهو" السياسية إلى "سموتريتش" و**"بن غفير"**.

فالحكومة الحالية تعتمد على الأحزاب والقوى الاستيطانية المتشددة في بقائها، ولذلك يرى الكاتب أن "نتنياهو" أطلق مساحة واسعة أمام المستوطنين للتحرك في الضفة الغربية، مقابل الحفاظ على تماسك الائتلاف الحاكم.

وبحسب المقال، فإن التمويل الحكومي للمستوطنات لم يكن مجرد سياسة اقتصادية، بل أصبح جزءاً من الصفقة السياسية التي تضمن استمرار حكومة "نتنياهو".

وهنا يبرز الفلسطينيون بوصفهم الطرف الذي يدفع الثمن المباشر لهذه الصفقة، من خلال التوسع الاستيطاني، والاستيلاء على الأراضي، وتوسيع البؤر الاستيطانية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين في مختلف مناطق الضفة الغربية.

لكن "نتنياهو" لا يشتري دعم المستوطنين وحدهم، فالطرف الآخر الذي يحتاج إليه هو المجتمع الحريدي، الذي يمثل قوة سياسية متنامية داخل "إسرائيل"، رغم موقف قطاعات واسعة منه من الخدمة العسكرية ومشاركته المتكررة في احتجاجات ضد تجنيد طلاب المعاهد الدينية.

ويعود الكاتب إلى جذور العلاقة بين الدولة "الإسرائيلية" والحريديم، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الأول "ديفيد بن غوريون" اتفق مع الزعيم الحريدي "أبراهام يشعيا كارليتس" على إعفاء عدد محدود من طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية.

وكان "بن غوريون" يعتقد، وفق المقال، أن هذه الفئة الصغيرة ستتراجع مع مرور الوقت، لكن العكس حدث؛ إذ ازداد عدد الحريديم ونما نفوذهم السياسي، خصوصاً منذ صعود "مناحيم بيغن" إلى السلطة عام 1977.

وبمرور العقود، تحولت القضية من إعفاء محدود لعدد صغير من طلاب المعاهد الدينية إلى أزمة سياسية واجتماعية واسعة، بعدما وصل عدد الحريديم المستفيدين من الإعفاءات، بحسب المقال، إلى نحو 66 ألف طالب.

مقابل البقاء

ويقول "زاكيم" إن "نتنياهو" واجه في وقت سابق من العام تهديداً من الأحزاب الحريدية بإسقاط حكومته ما لم تتم معالجة قضية التجنيد، ولذلك لجأ إلى الموازنة مرة أخرى.

وخصصت حكومة الاحتلال، بحسب المقال، ما لا يقل عن 255 مليون دولار في ميزانية الطوارئ لدعم المدارس الدينية الحريدية وبرامج أخرى مرتبطة بها.

وتضاف هذه الأموال إلى نحو 1.4 مليار دولار أقرها الكنيست في مارس/آذار للمؤسسات الحريدية خلال السنة المالية الحالية.

ولم تتوقف المخصصات عند هذا الحد، إذ يشير المقال إلى أن لجنة المالية في الكنيست، التي يهيمن عليها مؤيدو "نتنياهو"، وافقت قبل دخول الكنيست عطلته تمهيداً للانتخابات على تخصيص 85 مليون دولار إضافية للمؤسسات التعليمية الحريدية.

وفي الوقت نفسه، خصصت اللجنة ما لا يقل عن 100 مليون دولار إضافية للمستوطنات.

ويرى الكاتب أن التزامن بين القرارين ليس مصادفة، بل يعكس محاولة "نتنياهو"، قبيل الانتخابات، تأمين ولاء جناحين أساسيين في ائتلافه: المستوطنين والحريديم.

وفق قراءة المقال، فإن "نتنياهو" لا يستخدم المال العام لمعالجة أزمات "إسرائيل" الداخلية بقدر ما يستخدمه لإدارة التحالفات السياسية التي تضمن بقاءه.

ففي الوقت الذي يحصل فيه المشروع الاستيطاني على مليارات الدولارات لتطوير المستوطنات والبنية التحتية في الضفة الغربية، تحصل المؤسسات الحريدية على مئات الملايين الإضافية لتثبيت موقف الأحزاب الداعمة لـ**"نتنياهو"**.

أما الفلسطينيون في الضفة الغربية، فيواجهون الوجه الآخر لهذه السياسة: توسعاً استيطانياً متسارعاً، بؤراً جديدة، اعتداءات من المستوطنين، ومصادرة للأرض، وسط غياب محاسبة فعلية للمعتدين.

من يدفع الثمن؟

ويشير الكاتب إلى أن الحكومة والجيش "الإسرائيليين" يتغاضيان عن اعتداءات المستوطنين المتطرفين على الفلسطينيين، مع توقيف أعداد محدودة منهم وعدم استمرار احتجاز معظم من يتم توقيفهم.

وبذلك، لا تقتصر عملية "شراء الولاء" السياسي على الموازنات المباشرة، وإنما تمتد إلى منح الحلفاء السياسيين مساحة أكبر للتحرك على الأرض، مقابل استمرار دعمهم لحكومة "نتنياهو".

في المقابل، بدأت الحكومة "الإسرائيلية" تتخذ إجراءات أكثر تشدداً تجاه الحريديم، خصوصاً بعد قرار المحكمة العليا "الإسرائيلية" إلغاء الإعفاءات العسكرية الخاصة بهم.

ويذكر المقال أن الشرطة اعتقلت أعداداً محدودة من المتهربين من الخدمة، لكن الحكومة في الوقت ذاته دعمت مشروع قانون يمنح الدراسات الدينية أولوية وطنية ويحظر اعتقال معظم المتهربين من التجنيد.

كما يشير الكاتب إلى أن الاحتجاجات الحريدية ضد التجنيد أصبحت تتسبب في إغلاق الطرق وتعطيل الحياة اليومية، مع بقاء الإجراءات العقابية بحق المحتجين محدودة.

ويخلص المقال إلى أن "إسرائيل" تدخل الانتخابات المقبلة وهي أكثر انقساماً من الداخل، في ظل اعتماد "نتنياهو" على قوى سياسية ودينية وقومية متشددة لضمان بقائه في الحكم.

لكن انعكاسات هذه الصفقة لا تبقى داخل المجتمع "الإسرائيلي"، بل تمتد مباشرة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يتحول الدعم المالي والسياسي للمستوطنين إلى مزيد من التوسع على حساب الأرض الفلسطينية.

وبحسب قراءة "زاكيم"، فإن استمرار "نتنياهو" في السلطة يعني استمرار الحاجة إلى إرضاء القوى التي يعتمد عليها، سواء كانت الأحزاب الحريدية أو التيار الاستيطاني المتطرف.

وهكذا تصبح الموازنة "الإسرائيلية" أداة سياسية بامتياز: أموال للمستوطنات مقابل دعم القوى الاستيطانية، وأموال للمؤسسات الحريدية مقابل الحفاظ على الأحزاب الدينية داخل الائتلاف، بينما يتحمل الفلسطينيون في الضفة الغربية جانباً كبيراً من كلفة هذه المعادلة على الأرض.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة مجرد منافسة على رئاسة الحكومة، وإنما اختباراً لاستمرار تحالف سياسي يقوم، وفق المقال، على تبادل المصالح بين "نتنياهو" والقوى الأكثر تشدداً في المجتمع "الإسرائيلي"، فيما يدفع الفلسطينيون ثمن هذا التحالف من أرضهم وأمنهم وحقوقهم.

المصدر : ناشيونال إنترست

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر