تجميد أموال الغزيين يشعل مواجهة قانونية.. دعاوى دولية تلوح في وجه بنك فلسطين

تتجه أزمة الحسابات المصرفية المجمدة في قطاع غزة إلى مسار قانوني جديد، بعدما أعلنت الهيئة الفلسطينية للدفاع الوطني بدء إعداد ملفات بالتعاون مع محامين وحقوقيين دوليين، تمهيداً لرفع دعاوى ضد إدارة بنك فلسطين أمام جهات قضائية ورقابية دولية مختصة.

وقالت الهيئة إن البنك يفرض قيوداً على حسابات مواطنين ويجمّد أموالاً ويعرقل حصولهم على الخدمات المصرفية، مشيرة بصورة خاصة إلى حسابات أرامل الشهداء، وتعطيل قدرة مواطنين على الوصول إلى مدخراتهم وأموالهم.

اتساع نطاق المعلومات

واعتبرت الهيئة أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق المدنيين، ووصفته بأنه سقوط وطني وأخلاقي وقانوني، في ظل الظروف الإنسانية والاقتصادية الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، داعية المؤسسات الحقوقية والنقابات والمودعين والموظفين المفصولين إلى توثيق ما تعتبره انتهاكات والانضمام إلى الجهد القانوني الجماعي.

ويأتي الإعلان في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى بنك فلسطين على خلفية إجراءات شملت، بحسب شكاوى وتقارير متداولة، تجميد حسابات مواطنين ومؤسسات، وتقييد عمليات السحب، وتعقيد الوصول إلى الأموال، في وقت يعتمد فيه سكان القطاع بصورة متزايدة على الخدمات المصرفية الإلكترونية بسبب النقص الحاد في السيولة النقدية.

وفي تطور متصل، دعا مدير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده الجهات المحلية وجهات إنفاذ القانون في قطاع غزة إلى فرض رقابة مباشرة على فرق جمع المعلومات الميدانية التابعة لبنك فلسطين، للتحقق من طبيعة عملها ومدى التزامها بالصلاحيات المصرفية الممنوحة لها.

وطالب عبده بفحص خلفيات وارتباطات بعض العاملين في هذه الفرق، والتأكد من أن البيانات التي يجري جمعها من المواطنين تظل محصورة في إطار العمل المصرفي القانوني، محذراً من أن اتساع نطاق المعلومات التي تجمعها هذه المجموعات والأدوار التي تمارسها قد يشكل، وفق تقديره، مساساً واسعاً بخصوصية المواطنين ويفتح مخاطر أمنية تمس سلامة الأهالي وحقوقهم الأساسية.

وتأتي هذه التصريحات في ظل جدل متزايد بشأن ما إذا كانت عمليات التحقق وجمع البيانات التي تجريها البنوك في القطاع تندرج بالكامل ضمن إجراءات الامتثال المصرفي، أم تتجاوز ذلك إلى جمع معلومات ذات طبيعة أخرى، وهي مسألة تحتاج إلى توضيح رسمي من البنك والجهات الرقابية المختصة.

وفي يونيو/حزيران الماضي، وجه عبده انتقادات حادة إلى بنك فلسطين، متحدثاً عن قيود قال إنها مفروضة على عمليات سحب أصحاب الحسابات الجارية لأموالهم.

وضرب مثالاً بحساب يبلغ رصيده 20 ألف دولار، قائلاً إن صاحبه قد يواجه سقفاً شهرياً للسحب في حدود ألفي دولار، معتبراً أن ذلك يتيح للبنك الاحتفاظ بالجزء الأكبر من أموال العملاء وتوظيفها في استثمارات وفق سياساته.

"القطط السمان"

ووصف عبده هذه الإجراءات بأنها من أشكال "النهب" التي يمارسها، وفق تعبيره، ما سماهم "القطط السمان" داخل البنك، مؤكداً أن القضية لا تتعلق فقط بالحسابات التي أغلقت أو جمدت، وإنما أيضاً بطريقة إدارة الأموال الموجودة في الحسابات التي لا تزال مفتوحة.

وقال إن مصادر خاصة داخل البنك أبلغته بأن الإدارة تستهدف تحقيق صافي إيرادات من الفوائد والعمولات خلال عام 2026 بقيمة تصل إلى 600 مليون دولار، معظمها من قطاع غزة، معتبراً أن الرقم يمثل ضعف ما حققه البنك في عام 2025، عندما تجاوزت إيرادات الفوائد والعمولات 315 مليون دولار. وهذه الأرقام منسوبة إلى مصادر خاصة قال عبده إنه يعتمد عليها، ولم يقدم البنك في المواد التي جرى الاطلاع عليها رداً يؤكدها.

كما اتهم عبده البنك بتخصيص نحو 4 ملايين دولار للتسويق والإعلان والعلاقات العامة، وقال إن جزءاً منها يذهب، بحسب معلوماته، إلى تمويل نشطاء ومواقع إلكترونية للترويج لرواية البنك بشأن إجراءات تجميد الحسابات.

وقال عبده إن تبرير إغلاق بعض الحسابات بالإجراءات المرتبطة بـ"إسرائيل" لا يفسر، إغلاق حسابات شركات أسسها شبان فلسطينيون لا علاقة لهم بأي تيار سياسي.

وأوضح أن شركات عدة دُمرت مقارها خلال الحرب، ثم حاول أصحابها إعادة تشغيلها، قبل أن تواجه حساباتها المصرفية بالإغلاق، مشيراً إلى شركة قال إن مجموعة من الشبان الرياديين أسسوها وحصلت على ترخيص قانوني في رام الله، ثم أغلقت حساباتها بصورة مفاجئة، وهو ما انعكس، على نحو 100 أسرة مرتبطة بأعمالها.

كما أثار قضية حسابات المعتقلين وعائلاتهم، متسائلاً عن أسباب إغلاقها فور اعتقال أصحابها، وقال إن بعض هذه الإجراءات لا يمكن تفسيرها باعتبارها استجابة لضغوط خارجية.

واستشهد بحالة الطبيب حسام أبو صفية، قائلاً إن حسابه وحسابي زوجته ونجله أغلقت، رغم عمله في خدمة المرضى خلال الحرب، معتبراً أن هذه الإجراءات تستوجب تفسيراً واضحاً من البنك.

واتهم عبده البنك بالاحتفاظ بأموال أصحاب الحسابات المغلقة، وقال إن آلاف الحسابات لا تزال مغلقة، وإن أصحابها لم يتمكنوا من استعادة أرصدتهم أو سحبها أو تحويلها.

ويرى عبده أن إغلاق الحساب المصرفي لا يعني مصادرة الرصيد الموجود فيه، مستنداً إلى ما قال إنها أحكام قانون التجارة الفلسطيني وتعليمات سلطة النقد الخاصة بإغلاق الحسابات والحسابات الجامدة.

جهات أمنية مرتبطة بـ"إسرائيل"

وأوضح أن إغلاق الحساب يفترض أن ينهي العلاقة التعاقدية بين البنك والعميل مع تسوية الوضع المالي للحساب، مع وجود حالات استثنائية ترتبط بأوامر قضائية أو حجوزات قانونية أو ديون مستحقة للبنك يمكن إجراء المقاصة بشأنها.

وقال إن وجود خلفيات سياسية أو تعليمات من جهات أمنية مرتبطة بـ"إسرائيل" أو الولايات المتحدة، لا يمنح البنك حق مصادرة أموال العملاء أو الاحتفاظ بها من دون أساس قانوني.

وتحتاج هذه النقطة تحديداً إلى حسم من الجهات القانونية والرقابية المختصة، لأنها تمثل أحد المحاور التي يمكن أن تُبنى عليها الملفات التي أعلنت الهيئة الفلسطينية للدفاع الوطني إعدادها.

وكانت شكاوى الحسابات قد طاولت أيضاً أسرى محررين وذوي شهداء، إذ تحدثت تقارير سابقة عن تجميد حسابات مرتبطة بهذه الفئات ورفض فتح حسابات جديدة في بعض الحالات.

وفي يونيو/حزيران، طالب أسرى محررون وزوجات أسرى سلطة النقد الفلسطينية بالتدخل لإلزام بنك فلسطين بفتح الحسابات المجمدة وتمكين أصحابها من تلقي التحويلات والمساعدات المالية. كما أثيرت شكاوى بشأن صعوبة وصول عائلات الشهداء إلى أموال أقاربهم المتوفين، بسبب إجراءات مصرفية وقانونية معقدة.

وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة في غزة، حيث تعتمد عائلات كثيرة على الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية للوصول إلى الرواتب والمساعدات والتحويلات، في ظل صعوبة التنقل وانعدام السيولة النقدية.

كما برزت خلال الأشهر الماضية شكاوى من محامين في قطاع غزة بشأن تجميد حساباتهم أو إغلاقها. وتحدثت تقارير عن تأثر نحو 700 محامٍ بهذه الإجراءات، فيما شهدت فروع بنك فلسطين وقفات احتجاجية طالبت بوقف تجميد الحسابات وتوضيح الأسس التي تستند إليها القرارات.

وتقول الشكاوى إن المشكلة لا تكمن في الإغلاق وحده، وإنما في عدم وضوح آليات الاعتراض، أو صعوبة الوصول إلى الأموال، أو معرفة الأسباب التي دفعت إلى اتخاذ القرار بحق أصحاب الحسابات.

وتتزامن هذه التطورات مع أزمة نقدية خانقة يعيشها قطاع غزة منذ الحرب، دفعت السكان إلى الاعتماد بصورة أكبر على الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية في دفع ثمن السلع والخدمات وتلقي الأموال.

وبحسب تقارير سابقة، اضطر بعض المواطنين إلى استخدام حسابات أشخاص آخرين أو البحث عن بدائل للوصول إلى التحويلات، بينما أدت القيود على بعض الحسابات إلى تعطيل أعمال ومصادر دخل لأسر تعتمد على تلك الأموال.

وحذرت دراسات اقتصادية من أن استمرار القيود المصرفية في ظل نقص النقد قد يدفع مزيداً من المعاملات إلى الاقتصاد غير الرسمي، ويرفع تكلفة الحصول على السيولة ويضعف الثقة بالقطاع المصرفي.

وفي هذا السياق، أشار المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إلى أن ودائع سكان قطاع غزة ارتفعت خلال الحرب من نحو 1.7 مليار دولار إلى نحو 4.2 مليارات دولار، في وقت أصبحت فيه الخدمات المصرفية جزءاً أساسياً من آليات التعامل المالي داخل القطاع.

كما أشارت الدراسة إلى أن مجموعة بنك فلسطين تستحوذ على أكثر من 36% من إجمالي الحسابات المصرفية الفلسطينية، ما يجعل أي إجراءات واسعة تتخذ داخل البنك ذات تأثير مباشر على شريحة كبيرة من المواطنين.

حق المودع

وفي المقابل، تستند الرواية المصرفية بشأن القيود إلى قواعد الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتعليمات الرقابية، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بالعقوبات المالية الدولية.

وتقول التفسيرات المصرفية التي ظهرت في تغطيات سابقة إن بعض الحسابات تخضع للمراجعة أو التقييد بسبب متطلبات قانونية وتنظيمية، وإن البنك لا يهدف إلى الإضرار بالمودعين.

كما جرى تفسير بعض الحالات المتعلقة بحسابات المتوفين بإجراءات حصر الإرث وحماية حقوق الورثة، في حين تقول الجهات المتضررة إن هذه الإجراءات لا ينبغي أن تؤدي إلى احتجاز أموال المواطنين لفترات طويلة أو حرمانهم من وسائل الاعتراض.

وهنا تبرز القضية القانونية الأساسية التي تضعها الشكاوى الحالية أمام الجهات المختصة: أين ينتهي حق البنك في تطبيق قواعد الامتثال، وأين يبدأ حق المودع في الوصول إلى أمواله ومعرفة أسباب تقييد حسابه والطعن في القرار؟

ومع إعلان الهيئة الفلسطينية للدفاع الوطني إعداد ملفات قانونية بالتعاون مع محامين وحقوقيين دوليين، يبدو أن ملف الحسابات المصرفية في غزة ينتقل من دائرة الاحتجاجات والشكاوى الفردية إلى محاولة بناء مسار قانوني جماعي.

وتقول الهيئة إنها تعمل على توثيق الحالات المتعلقة بتجميد الأموال وتعطيل الحسابات، بما فيها حسابات أرامل الشهداء، بهدف استخدامها في ملفات قانونية أمام جهات قضائية ورقابية دولية.

لكن الهيئة لم تعلن حتى الآن بصورة تفصيلية أسماء المحامين المشاركين أو الجهة القضائية الدولية التي ستتقدم إليها بالدعاوى، كما لم تُعلن الأسس القانونية التفصيلية للملفات.

وبين أموال مجمدة، وحسابات مغلقة، وقيود على السحب، وشكاوى المواطنين الميدانية، يتسع الجدل حول حدود الدور المصرفي في قطاع يعيش حرباً وانهياراً اقتصادياً، فيما قد يشكل التحرك القانوني الذي أعلنت عنه الهيئة الفلسطينية للدفاع الوطني نقطة تحول في هذه القضية، إذا انتقل من مرحلة إعداد الملفات إلى ملاحقات قضائية فعلية

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر