خاص - شهاب
تتجه الساحة الفلسطينية إلى مشهد سياسي جديد مع الحديث عن تشكيل قائمة انتخابية واسعة تضم حركة حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، مع احتمال انضمام الجبهة الشعبية وقوى وشخصيات وطنية أخرى. ويؤكد محللون أن هذا التحالف يمثل خطوة مهمة لتحويل الانتخابات من ساحة تنافس فصائلي إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة.
المحلل السياسي محمد مصطفى شاهين، قال، إن ما يجري من تحرك بين حركة حماس والجهاد الإسلامي ومحمد دحلان (التيار الإصلاحي)، وربما الجبهة الشعبية، في قائمة انتخابية موحدة، هو حدث لا يُقرأ بسطحية السياسة اليومية، بل ببصيرة التاريخ الفلسطيني الذي طالما ألف الوحدة في مواجهة الطغيان، وإن ظلت خيوطها ملتوية في أحيان كثيرة.
رد طبيعي على حالة التفرد
وأوضح شاهين، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن هذا التحالف، رغم ما فيه من مفارقات سياسية ودلالات مركبة، يؤكد حقيقة محورية، وهي أن الانقسام الداخلي أصبح عبئًا ثقيلًا على الجميع، وأن التفرد الذي مارسته حركة فتح لعقود، بكل ما صحبه من خطايا إدارية وسياسية، خلق مناخًا من الإحباط العميق دفع بالخصوم التاريخيين إلى طاولة واحدة، ليس حبًا فيها، بل كرهًا لاستمرار الحال الذي لا يليق بشعب ضحى بكل غالٍ ونفيس في سبيل حريته.
وأضاف أن هذا التحالف بطبيعته الموسعة يحمل رسالتين واضحتين، الأولى أنه جاء ردًا طبيعيًا على حالة التفرد بالقرار الوطني التي رسختها قيادة السلطة، وخاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت تهميشًا ممنهجًا لكل من يختلف مع الرأي الواحد، مما حول مؤسسات الحكم إلى أداة في يد طرف دون سواه.
وأشار إلى أن الرسالة الثانية هي إشارة تحذير واضحة المعالم إلى الرئيس محمود عباس، بأن التراجع عن الانتخابات أو المماطلة فيها سيكون له ثمن سياسي باهظ، لأن الشعب الذي يتطلع إلى صناديق الاقتراع كمنفذ وحيد لتغيير واقعه لن يقبل بأي تبرير يحرمه من هذا الحق المشروع، خاصة أن كل المؤشرات تؤكد أن التفرد لم يعد مقنعًا لأحد، ولا حتى لمن دافعوا عنه بالأمس.
وأكد شاهين أن هذا التحالف ليس لمواجهة فتح بمعنى الإطاحة بها كحركة وطنية عريقة، معتبرًا أن من السذاجة السياسية تصور الأمر بهذه البساطة، وإنما هو لإجبار الجميع على الدخول في شراكة حقيقية لا وصاية فيها ولا احتكار، لأن استمرار الانقسام أضعف الجبهة الداخلية وجعل القضية عرضة للمساومات الخارجية التي لا ترحم.
وذكر أن كل العقلاء يدركون أن الانتخابات ليست هدية من أحد، ولا منحة من رئيس ولا من حركة بعينها، بل هي حق أصيل للشعب الفلسطيني، ومتى شعر هذا الشعب أن حقه مسلوب منه فسيصنع من التحالفات المؤقتة أدوات للضغط والمطالبة، وليس غضاضة في أن تلتقي حماس والجهاد مع دحلان في خندق واحد طالما أن الهدف الأسمى هو استعادة وحدة المؤسسات الفلسطينية وبناء نظام سياسي تشاركي يليق بتضحيات الأجيال.
ولفت إلى أن تراجع عباس عن الانتخابات احتمال قائم لكنه ليس حتميًا، لأن التراجع في مثل هذه اللحظة سيكون إعلانًا رسميًا عن إفلاس المشروع السياسي القائم بأسره، وسيترك فراغًا رهيبًا لا تملك أي جهة فلسطينية جرأة ملئه وحدها.
ورأى شاهين أن التحالف الجديد هو ورقة ضغط كبيرة قد تدفع الجميع إلى جدية أكثر في التعامل مع الاستحقاق الانتخابي، مشددًا على أن الحذر يبقى مطلوبًا، لأن التاريخ الفلسطيني حافل بمواقف غير متوقعة، وفي النهاية المصلحة العليا للشعب هي ما يجب أن تحكم كل التحركات، لا المصالح الضيقة أو الحسابات الشخصية.
تطور سياسي
بدورها، قالت د. أميرة فؤاد النحال، الكاتبة في الشأن السياسي، إن التفاهمات المتداولة بشأن تشكيل قائمة انتخابية واسعة تضم حركة حماس، والجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في حركة فتح بقيادة محمد دحلان، مع احتمال انضمام الجبهة الشعبية وقوى وشخصيات وطنية أخرى، فإننا نكون أمام تطور سياسي يحمل في طياته محاولة لإعادة صياغة معادلة القرار الوطني الفلسطيني.
وأضافت النحال، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن المفارقة الأبرز أن أطرافًا كانت تقف على مسافات شديدة التباعد، وخاض بعضها صراعات دامية في الماضي، تجد نفسها اليوم أمام حقيقة سياسية واحدة، وهي أن استمرار التفرد بالقرار الفلسطيني لم يعد قادرًا على إدارة المرحلة، وأن حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية يتطلب شراكة أوسع من احتكار مؤسسة أو فصيل أو شخص للقرار الوطني، ومن هنا تحديدًا يمكن فهم تحرك حماس.
وأوضحت أن من الخطأ قراءة الانفتاح الذي تبديه حماس على قوى فلسطينية متعددة باعتباره مجرد محاولة لتجميع الأصوات أو تحسين فرصها الانتخابية، مشيرة إلى أن الأعمق من ذلك أن الحركة تبدو وكأنها تريد تحويل الانتخابات من ساحة تنافس فصائلي إلى مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة.
وأشارت إلى أن ذلك ينسجم مع ما أعلنته الحركة من أنها لا تضع "فيتو" مسبقًا على أي طرف، وأنها تسعى إلى أوسع توافق ممكن يضم الفصائل والمكونات والشخصيات الفلسطينية.
وتابعت، أن وجود الجهاد الإسلامي، والتيار الإصلاحي في فتح، وربما الشعبية، داخل إطار واحد، لا يعني أن هذه القوى أصبحت متطابقة في الفكر أو البرنامج أو التاريخ، وإنما يعني أن هناك مساحة مشتركة تتقدم اليوم على مساحة الخلاف، وهي إنهاء التفرد، واستعادة الشراكة، وتجديد الشرعية، وحماية القرار الوطني من الاحتكار وهذه نقطة جوهرية.
وأردفت، "التقارب بين حماس وتيار دحلان، قد يبدو الأكثر إثارة للجدل، بسبب التاريخ للصراع الداخلي في غزة، لكن السياسة لا تُبنى على استدعاء الماضي إلى الأبد، فإذا استطاعت القوى الفلسطينية تجاوز جزء من إرث الانقسام لصالح ترتيب سياسي جديد، فإن ذلك يعني أن الفلسطينيين بدأوا يدركون أن استمرار الخصومة الداخلية يخدم في النهاية من يريد إبقاء الساحة الفلسطينية مجزأة وضعيفة".
وذكرت أن الرسالة هنا ليست أن الخلافات اختفت، وإنما أن المصلحة الوطنية تستطيع، في لحظة تاريخية استثنائية، أن تفرض قواسم مشتركة على أطراف لم تكن تتصور سابقًا أنها ستجلس إلى الطاولة نفسها، وهذا بالضبط ما يجعل التحالف المحتمل ذا دلالة أكبر من حجمه الانتخابي.
وأكدت أن أحد التفسيرات الرئيسية لهذا التحالف هو مواجهة تفرد فتح، فإذا ذهبت فتح الرسمية إلى الانتخابات بقائمة منفردة، بينما اجتمعت مجموعة واسعة من القوى في قائمة وطنية مقابلة، فإن المعركة لن تكون فقط بين قائمتين على مقاعد المجلس التشريعي، وإنما ستصبح عمليًا استفتاءً على سؤال أكبر: هل يستمر القرار السياسي الفلسطيني محكومًا بمنطق التفرد، أم تنتقل فلسطين إلى مرحلة الشراكة الوطنية؟
وأوضحت أن حساسية المشهد بالنسبة لقيادة السلطة تكمن في أن الانتخابات التي يُفترض أن تكون وسيلة لتجديد الشرعيات قد تتحول إلى أداة لإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه، ولذلك فإن نجاح القوى المختلفة في تجاوز خلافاتها وتشكيل قائمة عريضة قد يغير قواعد اللعبة أكثر بكثير مما توحي به أعداد المقاعد.
تأجيل الانتخابات
وحول احتمال تراجع عباس عن الانتخابات، قالت إن مجرد بروز احتمال التأجيل يكشف معضلة سياسية حقيقية، فإذا كانت الانتخابات ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى، وتمنح قوى كانت خارج مؤسسات النظام السياسي فرصة العودة إليها عبر صناديق الاقتراع، فإن السؤال يصبح: هل ستكون السلطة مستعدة فعلًا لقبول نتائج انتخابات قد تعيد توزيع النفوذ داخل النظام السياسي الفلسطيني؟
وأكملت أن الانتخابات هنا تصبح اختبارًا للديمقراطية، لا مجرد موعد انتخابي، أما إذا جرى تعطيلها أو تأجيلها كلما أصبحت نتائجها أقل قابلية للضبط السياسي، فستتأكد لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين القناعة بأن المشكلة ليست في الانتخابات، وإنما في الخوف من نتائج الانتخابات.
وحول دخول الجبهة الشعبية المحتمل، قالت النحال إن ذلك يحمل قيمة رمزية وسياسية كبيرة، لأن وجودها سيمنح أي قائمة واسعة طابعًا أكثر تعددية، ويجعل من الصعب اختزالها في أنها "قائمة حماس" أو "تحالف ثنائي".
وأضافت أن القوة الحقيقية لأي تحالف من هذا النوع لن تكون في عدد الفصائل التي تحمل أسماء كبيرة فقط، وإنما في قدرته على تقديم نفسه باعتباره إطارًا وطنيًا تعدديًا يتسع للإسلاميين واليساريين والقوميين والمستقلين، على قاعدة برنامج سياسي مشترك.
وشددت على أن المطلوب من حماس بناء شراكة وطنية حقيقية تحفظ لكل طرف خصوصيته، وتجمع الجميع على الثوابت والمصلحة الوطنية.
وأكدت أن الحرب على غزة غيّرت كثيرًا من المعادلات، ومن غير المنطقي سياسيًا أن تعود الساحة الفلسطينية بعد كل ما جرى إلى الصيغة ذاتها التي سبقت الحرب: انقسام جغرافي، مؤسسات متآكلة الشرعية، وقرار سياسي موزع بين مراكز قوة متنافسة، مشيرة إلى أن المرحلة الجديدة تحتاج إلى إعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني كله.
وأوضحت أن حماس تستطيع أن تقدم نفسها لا باعتبارها طرفًا يريد الاستحواذ على النظام، وإنما باعتبارها طرفًا يطالب بإعادة بناء النظام على قاعدة الشراكة، معتبرة أن هذا فارق سياسي مهم جدًا.
وقالت إن حماس لا تحتاج إلى أن تقول: "نحن البديل"، وإنما يمكن أن تقول بوضوح: "نحن جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ولا يجوز أن يكون هناك نظام سياسي فلسطيني يستبعد جزءًا من شعبه أو يقصي قوة ذات حضور جماهيري ووطني واسع".
وشددت على أن اختزال المشهد في صراع بين حماس وفتح سيكون خطأ استراتيجيًا، مؤكدة أن المعركة الأعمق هي بين نموذجين: نموذج القرار المنفرد، ونموذج الشراكة الوطنية، وبين نظام سياسي يعاد إنتاجه من أعلى، ونظام يستمد شرعيته من صناديق الاقتراع، وبين إبقاء الانقسام ورقة لإدارة الخلافات، وتحويل الانتخابات إلى بوابة لإعادة توحيد المؤسسات.
وتابعت، أن القائمة الواسعة، إن اكتملت، قد تكون أهميتها السياسية أكبر من نتائجها الانتخابية نفسها.
وذكرت أن التقارب بين حماس والجهاد وتيار دحلان، واحتمال اتساعه ليشمل الجبهة الشعبية وقوى وطنية أخرى، ينبغي ألا يُقرأ باعتباره صفقة انتخابية بين خصوم الأمس، وإنما محاولة لاختبار إمكانية بناء معادلة فلسطينية جديدة تتجاوز ثنائية فتح وحماس، وتعيد القرار الوطني إلى قاعدة أوسع من الفصيل الواحد.
وأكدت أنه إذا كانت الانتخابات ستُجرى، فلتكن انتخابات حقيقية، وإذا كانت هناك خشية من نتائجها، فلتُطرح المخاوف على الطاولة بدل البحث عن مبررات لتأجيلها، أما إذا اختارت السلطة تعطيل الاستحقاق حين تتسع دائرة القوى المنافسة، فإنها لن تؤجل انتخابات فحسب، وإنما ستؤجل أيضًا فرصة إعادة بناء الشرعية الفلسطينية.
وأضافت أن فلسطين أكبر من الفصائل ، لكن فلسطين أيضًا لا يمكن أن تُحكم بإقصاء حماس أو تجاوز إرادة جمهورها، معتبرة أن القيمة السياسية الحقيقية لأي تحالف وطني قادم تكمن في أن يحوّل صناديق الاقتراع من وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام إلى بوابة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله.
