الانتخابات التمهيدية للكونغرس تكشف عن ولادة موجة تقدمية جديدة داخل الحزب الديمقراطي الأميركي

كشفت نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة لعام 2026 عن صعود موجة جديدة داخل التيار التقدمي، تضع رفض الدعم العسكري لـ"إسرائيل" ووقف الحرب على غزة ورفض تمويل جماعات الضغط، وفي مقدمتها اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل"، ضمن أولوياتها السياسية.

وتأتي هذه التحولات بعد سنوات من صعود التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، الذي برز بصورة واسعة منذ انتخابات عام 2018، قبل أن يتعرض لضغوط سياسية وانتخابية عقب انتخابات 2024، إلا أن الحرب على غزة أعادت ترتيب أولوياته ودَفعت أسماء جديدة إلى خوض الانتخابات في مواجهة شخصيات ديمقراطية تقليدية أو تقدمية تبنت مواقف داعمة لـ"إسرائيل".

وبحسب المعطيات المتداولة، تمكن مرشحون تقدميون خلال الانتخابات التمهيدية من إقصاء عدد من الأعضاء الحاليين في مجلس النواب، فيما يواصل آخرون خوض سباقات انتخابية في دوائر متأرجحة أو محسوبة تقليدياً على الجمهوريين.

ومن أبرز التحولات فوز مرشحين يتبنون مواقف صريحة ضد تسليح "إسرائيل"، من بينهم دونافان ماكيني في ميشيغن، وميلات كيروس في كولورادو، ودارياليزا أفيلا شوفالييه وبراد لاندر وكلير فالديز في نيويورك، إلى جانب آدم حماوي في نيوجيرسي.

ويعكس صعود هؤلاء المرشحين تحولاً داخل القاعدة التقدمية، إذ لم تعد القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مثل الرعاية الصحية والأجور والمناخ، وحدها المحرك الأساسي لهذا التيار، بل أصبحت السياسة الخارجية والحرب على غزة والعلاقة مع "إسرائيل" عوامل مؤثرة بصورة متزايدة في اختيارات الناخبين التقدميين.

وأدت الحرب على غزة إلى انقسام واضح داخل التيار التقدمي نفسه، بين أعضاء يواصلون الحصول على دعم جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل"، وآخرين يرفضون هذا التمويل ويتبنون مواقف أكثر صراحة في دعم الحقوق الفلسطينية.

وفي هذا السياق، خسر عدد من الشخصيات التي كانت محسوبة على التيار التقدمي أمام مرشحين يتبنون مواقف أكثر تشدداً في رفض الدعم الأميركي لـ"إسرائيل".

ومن أبرز هذه الحالات خسارة شري ثانيدار في ميشيغن أمام دونافان ماكيني، بعد حملة انتخابية شهدت إنفاقاً كبيراً من جماعات ضغط مؤيدة لـ"إسرائيل"، فيما أطاحت ميلات كيروس بالنائبة ديانا ديغيت في كولورادو.

كما خسر أدريانو إسبايات أمام دارياليزا أفيلا شوفالييه، بينما تغلب براد لاندر على دان غولدمان في نيويورك، في سباقات عكست بصورة واضحة الانقسام داخل القاعدة الديمقراطية بشأن السياسات الأميركية تجاه "إسرائيل".

وتشير هذه النتائج إلى أن جزءاً متزايداً من القاعدة التقدمية بات ينظر إلى الموقف من الحرب على غزة والدعم الأميركي لـ"إسرائيل" باعتباره معياراً انتخابياً، وليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية.

في المقابل، لا يزال داخل التكتل التقدمي الديمقراطي عدد كبير من الأعضاء الذين يحصلون على دعم مالي من جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل"، ما يعكس استمرار الصراع داخل التيار نفسه حول حدود العلاقة مع اللوبي الإسرائيلي.

وتظهر الانتخابات التمهيدية أن الجناح الرافض لهذا التمويل يسعى إلى تغيير المعادلة من خلال الدفع بمرشحين جدد، خصوصاً من الشباب، وتقديمهم باعتبارهم ممثلين لقاعدة انتخابية ترى أن أموال جماعات الضغط لا ينبغي أن تحدد مواقف أعضاء الكونغرس.

وفي بعض السباقات، تحولت هذه المواجهة إلى إنفاق انتخابي ضخم، إذ استخدمت جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" ملايين الدولارات لمنع وصول مرشحين يرفضون الدعم العسكري لـ"إسرائيل" إلى الكونغرس.

ولا تقتصر التحولات على مجلس النواب، إذ شهدت الانتخابات التمهيدية أيضاً صعود مرشحين تقدميين في سباقات مجلس الشيوخ، بينهم عبد الرحمن محمد السيد في ميشيغن، وبيغي فلانغان في مينيسوتا، وتروي جاكسون في ماين، وأنجي نيكسون في فلوريدا.

ويحظى سباق ميشيغن بأهمية خاصة، بعدما تمكن محمد السيد من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، رغم إنفاق جماعات الضغط المؤيدة لـ"إسرائيل" عشرات الملايين من الدولارات ضده.

وفي مينيسوتا، فازت بيغي فلانغان بالترشيح الديمقراطي على حساب أنجي كريغ، التي كانت تحظى بدعم اللوبي المؤيد لـ"إسرائيل"، فيما تعهدت فلانغان بدعم وقف المساعدات العسكرية لـ"إسرائيل".

وإذا تمكن بعض هؤلاء المرشحين من الفوز في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فقد يزداد حضور التيار التقدمي المعارض لسياسات "إسرائيل" داخل مجلس الشيوخ، الذي يضم حالياً صوتاً تقدمياً بارزاً واحداً هو السيناتور بيرني ساندرز.

وتشير التقديرات إلى إمكانية تجاوز عدد أعضاء التكتل التقدمي في مجلسي النواب والشيوخ حاجز 100 عضو بعد انتخابات نوفمبر، مع دخول مجموعة جديدة أكثر تشدداً في رفض تمويل جماعات الضغط ودعم الحقوق الفلسطينية.

ويبرز في هذا التيار الجديد عدد من الأسماء التي بنت حملاتها على معارضة الحرب في غزة، بينها مرشحون شاركوا في احتجاجات مؤيدة لفلسطين أو زاروا الأراضي الفلسطينية أو عملوا في المجال الطبي داخل قطاع غزة.

ويضع هذا التحول الحزب الديمقراطي أمام اختبار سياسي جديد، إذ يتزايد الضغط من قواعده الشابة والتقدمية لتغيير سياسته تجاه "إسرائيل"، في وقت لا تزال فيه قيادة الحزب أكثر حذراً في التعامل مع الملف.

وبذلك، لا تبدو الانتخابات التمهيدية لعام 2026 مجرد سباق لاختيار مرشحي الحزب الديمقراطي للكونغرس، بل تكشف عن إعادة تشكيل داخل التيار التقدمي نفسه، يتقدم فيها جيل جديد يجعل من وقف الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" ورفض الحرب على غزة جزءاً أساسياً من هويته السياسية، في تحول قد يترك أثراً واضحاً على خريطة الحزب بعد انتخابات نوفمبر.

المصدر : شهاب - وكالات

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر