خاص - شهاب
تحولت فجر يوم الأربعاء 16 سبتمبر/أيلول 2026 لحظات الاستيقاظ في مدينة غزة إلى كابوس مأساوي مفزع، إثر انهيار "عمارة السعادة" السكنية المكونة من ستة طوابق في منطقة شارع الصناعة غرب المدينة، وهي مبنى متضرر بفعل القصف "الإسرائيلي" السابق وكان يؤوي عشرات العائلات والنازحين الذين أجبرتهم ضيق الخيارات على السكن في مساكن متهالكة بحثاً عن سقف يسترهم.
وأسفر الانهيار المفاجئ عن استشهاد 21 مواطنًا على الأقل، وإصابة العشرات، فيما لا يزال نحو 15 شخصا مفقودين تحت الأنقاض، بينهم نساء وأطفال.
وأوضح الدفاع المدني أن طواقمه بالتعاون مع طواقم البلدية تواصل عمليات البحث والإنقاذ منذ ساعات منتصف الليل وسط ظروف ميدانية معقدة ونقص حاد في الآليات الثقيلة ومعدات رفع الأنقاض.
فيما حذرت بلدية غزة، من خطر المباني الآيلة للسقوط، مناشدة بتوفير الإيواء الآمن ومعدات الإنقاذ.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفع عدد الشهداء جراء انهيارات المباني المتضررة من الحرب منذ أكتوبر 2023 إلى 50 شهيدًا.
تحذيرات رسمية ومطالبات
على الصعيد الرسمي، حذرت وزارة الأشغال العامة والإسكان من التداعيات الخطيرة، كاشفة أن عدد المباني المصنفة ضمن المباني الخطرة والآيلة للسقوط بلغ نحو 3000 مبنى على مستوى القطاع.
وطالبت الوزارة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والدول العربية بالتحرك العاجل لإدخال مواد البناء، والكرفانات، والآليات الثقيلة، ومعدات الدفاع المدني.
من جانبها، شددت نقابة المهندسين في غزة على أن انهيار العمارة هو نتاج مباشر لتهالك المباني ومنع إدخال المواد الإنشائية والمعدات، داعية إلى وضع إخلاء وإزالة المباني الآيلة للسقوط وتوفير المآوي البديلة على رأس الأولويات، ومؤكدة جاهزية طواقمها لتقديم التقييم الفني السريع للمباني المهددة.
وفي السياق ذاته، حمّلت حركة حماس الاحتلال المسؤولية الكاملة عن الكارثة وتداعيات حرب الإبادة، محذرة من كارثة أوسع في ظل وجود نحو ألفي بناية مأهولة ومهددة بالانهيار.
ودعت الأطراف الدولية والوسطاء للضغط الفوري لإزالة القيود المفروضة على إدخال معدات الإنقاذ ومقومات الإيواء الآمن قبل وقوع كارثة جديدة.
صمت ثقيل ورعب من الموت المؤجل
أثار الحادث موجة واسعة من الصدمة والغضب بين النشطاء والمنصات الرقمية في غزة، الذين عبروا عن خشيتهم الكبيرة من أن يلقى ساكنو البيوت المتصدعة ذات المصير، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء.
وكتبت الناشطة حنين قيشاوي معبرة عن مشاعر الخوف والقهر التي تسيطر على الأهالي: "منذ أن سمعنا خبر انهيار العمارة، ونحن في البيت نعيش صمتًا ثقيلًا وخوفًا لا يفارقنا... قد نصبح في أي لحظة خبرًا عابرًا".
فيما كتب "أبو حمزة" عبر فيسبوك: "أنا أعيش هنا أنا وكل اهلي وهذا بيتنا. قمنا بدعم البيت بما استطعنا والآن الخوف يتملك الجميع بعد حادثة انهيار المبنى خوفاً أن ينهار البيت علينا، لا بديل عن هذا المكان ونجلس فيه مرغمين ولا يوجد لدينا رفاهية الاختيار.. هذا حالنا وحال الكثيرين في غزة".
من جهته، وصف الكاتب أحمد الطناني الحادث عبر منصة "إكس" بأنه فاجعة مركبة تعكس أن الإبادة في غزة ليست بالصواريخ فقط، وإنما بالحبس في واقع خطير ومنع التعافي، قائلاً: "كلما اعتقدنا أننا أدركنا كل أشكال الموت الممكنة، وجدنا شكلًا أكثر قهرًا وألمًا".
يا ويلي، يا وجع القلب…
— ahmad tanani (@ahmad_m_tanani) September 16, 2026
انهارت عمارة مدمرة بشكل بليغ بسبب الضربات التي تلقتها من الطائرات الحربية خلال الحرب، ما جعلها في وضع صعب جدًا.
ومع ضيق الخيارات، لجأت عائلات فلسطينية للعيش داخل ما تبقى من غرف هذه العمارة، في وضع يحمل مخاطرة كبيرة، فيما ذهبت عائلات أخرى ونصبت خيامها على… pic.twitter.com/fcaQQl89oW
فيما أشار الناشط لؤي إلى أن السكان يعيشون في تلك المباني بلحظة ما قبل الموت المؤجل لثوانٍ معدودة لعدم وجود بدائل.
"صورة العمارة هاي مش وهي واقعة لاااااا .
— 🇵🇸𓂆 لؤي (@loayharazin) September 16, 2026
هاي صورتها والناس عايشة فيها ، يعني عايشة فيها وهي واقعة ، يعني بتقدر تقول عايشة بلحظة ما قبل الموت واخر ما في الحياة ، يعني موت مؤجل فقط لثواني بكل مرة ، وجاء الاجل ولم تتجدد الثواني ، لانو اقسم بربي ما فيه اماكن الناس تسكن فيها. pic.twitter.com/HtCAoA1cc8
وعكس الناشط عمر عمارة مرارة الواقع بقوله إن الناس اضطروا للسكن في مبانٍ خطيرة لعدم وجود مكان آخر، بينما أكد الدكتور نبيل الهور أن الحادث يمثل فاجعة مركبة الأركان تفرض نفسها يومياً لعدم توفر معدات إزالة الأبنية المتداعية.
وفي نفس السياق، روى الناشط حازم حجم المعاناة اليومية لسكنه في القسم المتبقي من منزل عائلته المتضرر، مؤكداً أنهم يعيشون كل يوم بلا معرفة إن كان السقف سيبقى فوق رؤوسهم أم سيصبح قبراً لهم لعدم وجود أي خيار آخر سوى البقاء والتمسك بالدعاء.
أسكن أنا وعائلتي في بيت والدي، الذي لم يعد بيتًا آمنًا كما كان. العمارة مكوّنة من قسمين، وقد دُمّر أحدهما بالكامل جراء القصف، أما الجزء المتبقي فنعيش فيه نحن والعديد من العائلات، رغم أنه متضرر ومهدد بالانهيار في أي لحظة.
— حازم 𓂆 (@ABO_Watan9) September 16, 2026
نعيش كل يوم ونحن لا نعرف إن كان هذا السقف سيبقى فوق رؤوسنا…
لم تكن فاجعة "عمارة السعادة" مجرد خبر عابر، إذ فجّرت موجة واسعة من الغضب والمناشدات عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر المواطنون والنشطاء عن قلقهم المستمر من تكرار هذه الكارثة في ظل وجود الآلاف من المنازل المتصدعة، مطالبين بإدخال مواد الإيواء على رأسها الكرفانات قبل حلول فصل الشتاء.
وفيما يلي بعض ما كتبه النشطاء:
استيقظ أهل غزة على فاجعة سقوط ست طوابق من عمارة السعادة في منطقة الصناعة غرب مدينة غزة على ساكنيها من النازحين..
— Khaled Safi خالد صافي (@KhaledSafi) September 16, 2026
ما أدى لاستشهاد 12 شخصًا و5 أطفال وفقدان 100 آخرين تحت الركام..
أخبروا الوسطاء أنه لا توجد معدات ولا إمكانيات لإنقاذ المحاصرين تحت الردم! pic.twitter.com/J94qlig06H
من تحت الركام إلى الوداع الأخير ..
— الحـكـيم (@Hakeam) September 16, 2026
تشييع جثامين شهداء عمارة السعادة في مدينة غزة، وسط مشاهد مؤلمة وحزن ثقيل يخيّم على ذوي الشهداء والمودعين.
بالأمس كانوا نازحين يبحثون عن سقف يأويهم ويحميهم .. واليوم تحملهم الأكتاف إلى مثواهم الأخير.
مشاهد تختصر قهر غزة كله - من ينجو من القصف… pic.twitter.com/fPOZZrMJck
