تقرير أكتوبر الأسود على "إسرائيل".. حين تحطّم وهم الردع مرتين

هجومي 6 و7 أكتوبر

تقرير - شهاب

يحمل شهر أكتوبر في الذاكرة الإسرائيلية دلالة خاصة، فقد تلقّت الدولة فيه صدمتين استراتيجيتين متشابهتين في الشكل ومتباعدتين زمنيا بنحو خمسين عاما.

ففي السادس من أكتوبر 1973 عبر الجيشان المصري والسوري خطوط الاحتلال في سيناء والجولان في هجوم مفاجئ، وفي السابع من أكتوبر 2023 نفّذت كتائب القسام عملية "طوفان الأقصى" باقتحام مستوطنات غلاف غزة ومواقع عسكرية في محيطها.

ووقعت العمليتان في يوم عطلة دينية، هو عيد الغفران في الأولى وسمحات توراه في الثانية، وسبقهما اطمئنان استخباراتي وعسكري إلى أن الخصم مردوع ولن يُقدم على المبادرة.

"حرب 6 أكتوبر 1976"

في يونيو 1967 احتلت "إسرائيل" سيناء والجولان والضفة الغربية وقطاع غزة، وتبع ذلك حرب الاستنزاف على جبهة القناة بين عامي 1967 و1970.

وبعد وفاة جمال عبد الناصر تولّى أنور السادات الحكم، وأطلق مبادرات سياسية لاستعادة سيناء قوبلت بالرفض الإسرائيلي، فتحوّل الخيار إلى العمل العسكري بالتنسيق مع سوريا بقيادة حافظ الأسد، وكانت "إسرائيل" في تلك المرحلة واثقة بتفوقها، ورأت في خط بارليف، وهو الساتر الترابي المحصّن على الضفة الشرقية للقناة، وفي القناة نفسها حاجزا يصعب اجتيازه.

وُضعت الخطة المصرية تحت اسم "العملية بدر"، وأشرف عليها الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس الأركان والفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية، واعتمدت على خداع استراتيجي متقن، فقد جرى التظاهر بمناورات روتينية، وبثّ صورة الاستعداد غير الكامل، ونشر إشاعات عن تأجيل الحرب أكثر من مرة، حتى ظهر الجنود في صور وهم يأكلون ويلعبون على الضفة.

في المقابل، تمسّكت "إسرائيل" بما عُرف بـ"المفهوم" أو "الكونسبتسيا"، وهو افتراض أن مصر لن تحارب قبل امتلاك سلاح جو قادر على ضرب العمق الإسرائيلي، وأن سوريا لن تهاجم منفردة.

ثم جاءت ساعة الصفر، انطلقت الضربة الجوية في الثانية ظهرا بمئات الطائرات المصرية التي استهدفت مطارات ومراكز قيادة وحشودات ومواقع رادار في سيناء، وعقب ذلك اجتازت قوات الجيشين الثاني والثالث القناة بالقوارب، وأُزيل الساتر الترابي باستخدام خراطيم المياه عالية الضغط خلال ساعات قليلة، ثم أُقيمت الجسور لنقل المدرعات، وغطّت شبكة الدفاع الجوي القوات العابرة، فيما وفّرت الصواريخ المضادة للدروع المحمولة حماية من هجمات المدرعات الإسرائيلية المضادة.

عسكرياً، كانت الصورة مركّبة، إذ حقق المصريون العبور واستعادوا المبادرة في البداية، لكن الثغرة غيّرت الموقف الميداني لاحقاً.

أما إسرائيلياً، فقد تكبّدت خسائر بشرية فادحة قُدّرت بنحو 2,600 قتيل، وعاشت صدمة نفسية عُرفت بـ"المحدال" أي التقصير، وشُكّلت لجنة أغرانات للتحقيق، وانتهى الأمر باستقالة رئيسة الحكومة غولدا مائير وتغيّر عدد من القيادات العسكرية.


"طوفان الأقصى" 7 أكتوبر 2023

جاءت العملية بعد حصار مفروض على قطاع غزة منذ عام 2007، وجولات تصعيد متكررة في أعوام 2008 و2012 و2014 و2021. وترافق ذلك مع تصاعد الاستيطان واقتحامات المسجد الأقصى والاعتقالات في الضفة والقدس، وتراجع المسار السياسي، ومسارات تطبيع إقليمي تتجاوز القضية الفلسطينية، وكان ملف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية من الدوافع التي أعلنتها الحركة.

وأعلنت كتائب القسام لاحقا أن التخطيط استغرق سنوات، وأن القيادة العسكرية، ومنها محمد الضيف ويحيى السنوار، أشرفت عليه.

وتمثّلت المفاجأة في التمويه على الاستعداد خلال فترات هدوء ظاهر، وفي اعتقاد "إسرائيل" أن حماس منشغلة بحكم القطاع وبالتفاهمات الاقتصادية، ما يعكس إخفاقا إسرائيليا في تقدير الموقف وقراءة مؤشرات التحذير من الانفجار.

وفي صباح السبت أُطلقت آلاف الصواريخ خلال دقائق باتجاه الجنوب والوسط، وتزامن ذلك مع تسلّل مقاتلين برا وبحرا وجوا بالطائرات الشراعية، بعد تعطيل أبراج المراقبة وأجهزة الرصد على السياج الحدودي.

واستهدفت العملية مواقع عسكرية، منها مقر فرقة غزة في "رعيم"، إضافة إلى مستوطنات الغلاف ومهرجان "نوفا" الموسيقي، وأُسر نحو 250 مستوطنا معظمهم عساكر وجنود ونُقلوا إلى القطاع.

وتأخرت الاستجابة الإسرائيلية، فاستمرت المعارك في عدد من المواقع لساعات، وفي بعض المستوطنات لأكثر من يوم.

ووفق الأرقام الإسرائيلية قُتل نحو 1,200 شخص، أغلبهم من المدنيين، وهي أكبر خسارة بشرية في يوم واحد منذ قيام "إسرائيل".

وردا على العملية، شنّت "إسرائيل" حربا واسعة على قطاع غزة خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين ودمارا هائلا في البنية المدنية وأزمة إنسانية حادة، وهو ما استدعى إجراءات قضائية وتحقيقات أمام محكمة العدل الدولية وهيئات أممية.

وفي دولة الاحتلال، استقال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" أهارون هاليفا، واستمر الجدل حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية وتحديد المسؤولية السياسية، وتأثر الاقتصاد والمجتمع.

وأعادت العملية القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية، وعمّقت انقسام الرأي العام العالمي.

الدلالات المشتركة

وفي الدلالات المشتركة لعمليتي 6 و7 أكتوبر، انهار في الأولى "المفهوم" الاستخباراتي، وانهارت في الثانية نظرية الردع والسياج الذكي، وتجلّت المحاسبة في الأولى عبر لجنة أغرانات واستقالة مائير، وفي الثانية عبر استقالات عسكرية وجدل مستمر حول لجنة التحقيق.

وفي المآل، أفضت الأولى إلى مسار سلام مع مصر، بينما أدّت الثانية إلى حرب طويلة استنزفت "إسرائيل" وعزلة دولية تجلت في مقر الأمم المتحدة قبل أسابيع، وإقليم متغيّر يرفضها.

كما أن أول ما تكشفه العمليتان هو الفشل الاستخباراتي، فالتمسك بتصور مسبق عن نوايا الخصم وقدراته أعمى الأجهزة عن المؤشرات المتراكمة، ويتصل بذلك الاطمئنان المفرط إلى التفوق التقني والحواجز المادية، من خط بارليف في 1973 إلى الجدار والتكنولوجيا في 2023، كما استُغلّت الأعياد الدينية في الحالتين لتخفيف الجاهزية.

وفي المحصلة، دفعت العمليتان "إسرائيل" إلى مراجعة عقيدتها الأمنية وبنيتها القيادية، وأفضت الأولى إلى مسار تفاوضي أعاد الأرض، أما الثانية فلا تزال نتائجها السياسية مفتوحة وغير محسومة.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر