ميسرة بحر

الانتخابات تُبنى على التوافق.. لا على المراسيم المنفردة

أصدر محمود عباس مرسومًا ألغى فيه المرسوم رقم (4) لسنة 2026، الذي حدد 28 نوفمبر موعدًا للانتخابات التشريعية، وأجّلها إلى 11 سبتمبر 2027 لتُجرى بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية، وجاء ذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع من تأكيده أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التزامه بإجراء الانتخابات في موعدها.

ربط المرسوم التأجيل بقيود إسرائيلية تعيق وصول لجنة الانتخابات المركزية والمراقبين الدوليين إلى غزة وشرقي القدس، وبإتاحة الفرصة لحوار وطني شامل، لكن العقبة الحقيقية تكمن في الطريقة التي بدأت بها القصة: فقرار إجراء الانتخابات صدر بمرسوم منفرد، سبقه تعديل على قانون الانتخابات بالطريقة ذاتها، دون حوار ودون توافق.

ورغم رفض الفصائل لطريقة اتخاذ ذلك القرار، فإنها قررت ألا تترك الساحة خالية أمام عباس والسلطة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني على مقاسهم، فالاعتراض على الطريقة لا يعني الهروب من الاستحقاق، ومن ينسحب من المشهد يسلّم مفاتيحه كاملة لمن يريد صياغته بعيدًا عن الإجماع الوطني.

لذلك، فإن قرار تأجيل الانتخابات يجب أن يكون فرصة لحوار وطني شامل، وقد اعتبرت حركة حماس قرار تأجيل الانتخابات إلى العام القادم خطوةً في الاتجاه الصحيح، يجب أن تقود إلى حوار وطني شامل وجاد ومثمر، في ظل عدم توافر الظروف والمعطيات السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.

وكان من المفترض أن يسبق الحوار الوطني المرسوم الأول الذي دعا فيه إلى الانتخابات، تلك التي أجّلها مؤخرًا بمرسوم آخر، ويبدو أنه فعل ذلك بعدما وجد أن الساحة ليست خالية أمامه، وأن فوز حركته ليس أمرًا محسومًا.

كنت قد ذكرت في مقال سابق، بعد الإعلان عن التحالف الوطني لخوض الانتخابات، أن مصير الانتخابات يتأرجح بين ثلاثة سيناريوهات: توافق جامع، أو إفشال التحالف الانتخابي، أو إلغاء الانتخابات، وقد اختارت الأيام أقربها إلى الثالث، وإن جاء في صورة تأجيل لا إلغاء.

لكن السؤال الأهم ليس لماذا تأجلت الانتخابات، بل: كيف نصل إلى انتخابات تنهي الانقسام وتصلح المؤسسات وتضع حدًا للتفرد؟

إن الانتخابات يجب أن تكون نتيجة للتوافق الفلسطيني، توافقٍ مسؤولٍ يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة، لا هروبًا إلى الأمام من واقع مأزوم، ولا قفزةً في الهواء بلا أرضية تسندها، فالتوافق هو الذي يحدد المرجعية الوطنية الجامعة، وضمانات النزاهة، وتوحيد المؤسسات، والقبول بالنتائج أياً كانت، وحين يغيب التوافق المسؤول، تتحول الانتخابات إلى طقس شكلي يُلغى إذا لم تكن نتائجه مضمونة.

وتجربتنا مع الصندوق ليست بعيدة، فمنذ انتخابات 2006، ونتيجة عدم احترام نتائجها، لم يتحول الصندوق إلى جسر للوحدة، ثم جاء تأجيل 2021، وها نحن نقف عند تأجيل جديد.

إن إصلاح المؤسسات لا يتم بمرسوم من طرف واحد، لأن التفرد هو أصل العلة، ولا يمكن إنهاؤه بقرار انفرادي، ولا إعادة بناء النظام السياسي على يد من أنتج أزمته.

وفي الظرف الاستثنائي الذي تمر به قضيتنا، وخاصة في غزة المثخنة بالحرب والحصار والدمار، تزداد الحاجة إلى التوافق الداخلي، فالتحديات أمام إجراء الانتخابات كبيرة، خاصةً أن الاحتلال قد يعمل على إفشالها.

لذلك، فالمطلوب أن يتحول التأجيل إلى فرصة لحوار وطني حقيقي، بجدول زمني معلن، وضمانات واضحة، ومخرجات ملزمة، وشراكة كاملة، فإما أن نخرج منه بانتخابات تعبّر عن إرادة الجميع، أو نكون قد أضعنا أشهرًا أخرى من عمر قضية لا تحتمل الانتظار.

الانتخابات لا تصنع التوافق، لكن التوافق هو الذي يصنع الانتخابات.. وكل ما عدا ذلك قفزة في الهواء.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر