د. إياد القرا

تجار التنسيق مع الاحتلال

لم تكن حرب الإبادة التي تعرضت لها غزة مجرد كارثة إنسانية خلّفت القتل والدمار والجوع والنزوح، بل *كشفت عن فئة من تجار الأزمات الذين وجدوا في معاناة المواطنين فرصة لمراكمة الثروات، وتحويل الاحتياجات الأساسية إلى سوق للاحتكار والابتزاز*، حتى بات بعضهم يتصرف كأن قوت مليوني إنسان مرهون بمصالحه وأرباحه وعلاقاته مع الاحتلال.

الأخطر أن بعض كبار التجار، الذين راكموا أرباحًا طائلة خلال الحرب، لم يكتفوا باستغلال ندرة السلع وارتفاع الأسعار، بل باتوا يحاولون فرض شروطهم على السوق، من خلال رفض التعامل بالنقد «الكاش»، وتعطيل إدخال البضائع إلى القطاع، رغم التفاهمات التي جرت مع الجهات المختصة لضمان استمرار التوريد وحماية المواطنين من أزمات إضافية.

إن *ما يجري يتجاوز الخلاف التجاري أو البحث عن الأرباح إلى محاولة استخدام احتياجات المواطنين وسيلة للضغط على المجتمع* والجهات المسؤولة، في وقت يعيش فيه أهل غزة واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والاقتصادية في تاريخهم.

وتزداد خطورة المشهد مع ما يُثار من معلومات عن *تجاوز بعض هؤلاء التجار حدود التنسيق التجاري إلى شبهات تعاون غير مشروع مع الاحتلال*، وصولًا إلى الحديث عن محاولة أحد كبار التجار الفرار إلى منطقة الخط الأصفر بعد خلافات تتعلق بالتزامه بالتفاهمات الخاصة بالسوق.

وهي اتهامات بالغة الخطورة تستوجب تحقيقًا شفافًا يكشف الوقائع، ويحدد المسؤوليات، ويحاسب كل من يثبت تورطه.

ليس مقبولًا أن يتحول من استفاد من حصار غزة وجوع أطفالها إلى صاحب نفوذ يقرر ما يدخل إلى القطاع وما يُمنع عنه، ومتى تتوفر السلع ومتى تختفي، ثم يستخدم معاناة المواطنين ورقة مساومة لحماية مصالحه.

لقد دفع أهل غزة أثمانًا باهظة من دمائهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وعاشوا المجاعة والنزوح وفقدان أبسط مقومات الحياة، في حين وجد بعض تجار الحروب في هذه المأساة فرصة لجني الملايين. واليوم، *بدلًا من تحمل مسؤولياتهم الوطنية والأخلاقية، يسعى بعضهم إلى فرض إرادته على المواطنين والتحكم باحتياجاتهم*.

ومن المؤسف أن يتحول التنسيق التجاري الضروري لإدخال السلع إلى باب محتمل للنفوذ والابتزاز، أو غطاء لممارسات تضر بالمصلحة الوطنية. فالفرق كبير بين تاجر يعمل لتوفير احتياجات المواطنين في ظروف استثنائية، وآخر يوظف علاقاته وامتيازاته لاحتكار السوق وفرض شروطه على مجتمع منهك.

إن حماية السوق المحلي ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل مسؤولية وطنية وإنسانية، تتطلب إجراءات قانونية حازمة ضد الاحتكار والتلاعب بالأسعار وتعطيل التوريد المتعمد، مع ضمان عدم استخدام أي تاجر أو جهة احتياجات المواطنين أداة للضغط والابتزاز.

والأهم أن أي شبهة تعاون مع الاحتلال خارج الأطر التجارية المسموح بها يجب ألا تمر دون تحقيق ومساءلة، فلا حصانة لأصحاب الملايين، ولا امتيازات تعلو على حقوق المواطنين وأمن المجتمع.

لقد واجه أهل غزة آلة القتل والحصار والتجويع، وليس من المقبول أن يجدوا أنفسهم اليوم أمام حصار آخر يمارسه بعض المستفيدين من الحرب.

*غزة ليست مزرعة لتجار التنسيق، ولا سوقًا مفتوحة لمن يتاجرون بأوجاع الناس. ومن يثبت أنه جمع ثروته بالاحتكار والابتزاز أو استغل علاقته بالاحتلال للإضرار بأبناء شعبه، يجب أن يخضع للمحاسبة*، وأن تُسترد الحقوق التي سُلبت من المواطنين بالطرق القانونية.

فالشعب الذي دفع كل هذه التضحيات يستحق أن تُصان كرامته، لا أن تتحول لقمة عيشه إلى وسيلة إثراء وابتزاز بأيدي تجار الأزمات.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر