مضت حكومة الاحتلال خطوة جديدة في تحويل قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين إلى واقع داخل السجون، بعدما أعلن وزير الأمن القومي "الإسرائيلي" إيتمار بن غفير بدء إقامة جناح مخصص للمحكومين بالإعدام، يتوسطه مكان مخصص لتنفيذ أحكام الشنق، متفاخراً بأن ما وصفه بـ"وعوده" تجاه الأسرى الفلسطينيين يتحول إلى واقع.
وكشف بن غفير، زعيم حزب "القوة اليهودية"، مساء الثلاثاء، أن السلطات "الإسرائيلية" بدأت خلال الأسابيع الأخيرة بناء الجناح في أحد السجون وسط الأراضي المحتلة، وقال إن المنشأة ستخصص لمن تصدر بحقهم أحكام بالإعدام بموجب القانون الذي أقره الكنيست بصورة نهائية في مارس/آذار الماضي.
جناح الاعدام
ولم يقدم بن غفير تفاصيل عن موقع السجن، لكنه نشر صوراً ومقطع فيديو قال إنها توثق أعمال إنشاء الجناح، مؤكداً أنه سيضم في وسطه مرفقاً لتنفيذ أحكام الشنق.
ولم يتوقف الأمر عند تجهيز مكان لتنفيذ الإعدام، إذ أعلن بن غفير أن الجناح سيضم أيضاً غرفاً مخصصة للمشاهدة، بما يسمح لعائلات "الإسرائيليين" الذين قتلوا في العمليات، وفق رواية الاحتلال، بمتابعة تنفيذ أحكام الإعدام.
كما تحدث عن منح تصاريح لزوار رسميين من عائلات القتلى لزيارة الجناح ومراقبة تنفيذ الأحكام، في خطوة تعكس الطابع الاستعراضي الذي يريد الوزير "الإسرائيلي" إضفاءه على عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين.
وتفاخر بن غفير بما اعتبره سلسلة من الإجراءات التي اتخذها ضد الأسرى الفلسطينيين، رابطاً بينها وبين إنشاء المشنقة داخل السجون.
وقال في بيان رافق إعلان المشروع: "وعدنا، ونقوم بتنفيذ الوعود"، مضيفاً أنه سبق أن تعهد بتشديد ظروف الأسرى في السجون، وأنه نفذ ذلك، كما تعهد بتمرير قانون الإعدام لمن يصفهم بـ"منفذي العمليات الإرهابية"، وتم تمرير القانون، على حد قوله.
وأضاف بن غفير أن "جناح المحكومين بالإعدام ومرفق الشنق يتحولان الآن إلى واقع ملموس"، قبل أن يصف الخطوة بأنها "صناعة للتاريخ".
وفي أكثر تصريحاته صداماً، قال الوزير "الإسرائيلي" إن الأسرى الذين وصفهم بـ"المخربين" "يستحقون شيئاً واحداً فقط، هو الموت شنقاً".
ويأتي هذا التفاخر في وقت بدأت فيه سلطات الاحتلال، وفق إعلان بن غفير، الانتقال من مرحلة إقرار التشريع إلى إعداد البنية المادية اللازمة لتنفيذه، بما في ذلك تخصيص جناح للسجناء الذين قد تصدر بحقهم أحكام إعدام وتجهيز موقع للشنق.
وكان الكنيست "الإسرائيلي" قد أقر، في نهاية مارس/آذار الماضي، بصورة نهائية قانوناً يتيح فرض عقوبة الإعدام على أسرى فلسطينيين تتهمهم سلطات الاحتلال بتنفيذ عمليات أدت إلى مقتل "إسرائيليين".
وحظي القانون بتأييد 62 عضواً في الكنيست، بينهم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وغالبية أعضاء حزب "يسرائيل بيتينو" المعارض بزعامة أفيغدور ليبرمان، مقابل معارضة 48 عضواً، وامتناع عضو واحد، وغياب آخر.
وكان بن غفير قد دفع منذ البداية باتجاه صيغة أكثر تشدداً تجعل عقوبة الإعدام إلزامية، وتحرم المحكوم من حق الاستئناف أو إمكانية تخفيف العقوبة، إلا أن الصيغة النهائية جاءت بعد تدخل نتنياهو وتعديل عدد من بنودها خشية التداعيات الدولية التي قد تترتب على إقرار القانون بصيغته الأكثر تشدداً.
وطالب نتنياهو بإدخال مساحة للتقدير القضائي في الحالات الخاصة، والسماح بإمكانية الاستئناف، وهو ما دفع بن غفير إلى القبول بصيغة معدلة مكّنته في النهاية من تمرير القانون.
ولا يطبق القانون بأثر رجعي على الأسرى الفلسطينيين الموجودين حالياً في سجون الاحتلال.
سقف زمني
وفق الصيغة النهائية للقانون، يمكن فرض عقوبة الإعدام على من تتهمه سلطات الاحتلال بالتسبب عمداً في مقتل شخص بهدف إيذاء مواطن أو مقيم "إسرائيلي"، وبهدف نفي وجود دولة "إسرائيل".
وتحدد الصياغة القانونية العقوبة في الحالات التي تعتبرها سلطات الاحتلال عمليات "إرهابية قاتلة"، وتتيح للمحاكم فرض الإعدام أو السجن المؤبد وفق الشروط التي حددها القانون.
أما في الضفة الغربية المحتلة، حيث تنظر المحاكم العسكرية قضايا الأسرى الفلسطينيين، فقد وضع القانون آلية مختلفة، إذ جعل عقوبة الإعدام هي القاعدة الأساسية في الحالات التي تنطبق عليها شروطه، مع إبقاء هامش للقضاة لاستبدالها بالسجن المؤبد في ظروف استثنائية.
وفي هذه الحالة، سيكون على القضاة تقديم أسباب تبرر عدم فرض الإعدام، فيما لا يملك قائد المنطقة العسكرية صلاحية العفو عن المحكوم أو تخفيف العقوبة.
كما يمنح القانون وزير الأمن "الإسرائيلي" صلاحية تحديد مكان محاكمة الأسير من الضفة الغربية، سواء أمام محكمة عسكرية أو محكمة مدنية.
ومن بين التعديلات التي جاءت بها الصيغة التي أقرها الكنيست عدم اشتراط إجماع القضاة لفرض عقوبة الإعدام في قضايا الضفة الغربية، فضلاً عن عدم جعل إصدار الحكم مشروطاً بطلب من النيابة العامة لفرض هذه العقوبة.
وحدد القانون آلية تنفيذ الحكم بعد أن يصبح نهائياً، إذ ينص على أن تنفذ مصلحة السجون "الإسرائيلية" حكم الإعدام خلال 90 يوماً.
وتنص الصيغة القانونية صراحة على أن تنفيذ العقوبة يكون بالشنق، ويتولى تنفيذها سجان يعيّنه مفوض مصلحة السجون.
ولا يُغلق القانون الباب أمام تأجيل التنفيذ بصورة مطلقة، إذ يتيح لرئيس حكومة الاحتلال، إذا رأى وجود أسباب خاصة تستدعي التأجيل، التوجه إلى المحكمة التي أصدرت الحكم وطلب تأخير التنفيذ لفترات إضافية.
لكن القانون يضع سقفاً زمنياً لهذه التأجيلات، بحيث لا يتجاوز مجموعها 180 يوماً. ومن البنود اللافتة في القانون أيضاً أنه يمنع حكومة الاحتلال من إطلاق سراح الأسرى الذين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام ضمن صفقات تبادل أسرى مستقبلية.
ويمنح هذا البند عقوبة الإعدام أثراً يتجاوز تنفيذ الحكم نفسه، إذ يهدف إلى إخراج المحكومين بالإعدام من أي ترتيبات مستقبلية قد تشمل الإفراج عن أسرى فلسطينيين في إطار صفقات تبادل.
وبذلك، لا يقتصر القانون على تحديد عقوبة جديدة في منظومة القضاء "الإسرائيلي"، بل يضع أيضاً قيوداً على إمكانية التعامل مع المحكومين بها ضمن ملفات التفاوض وتبادل الأسرى.
ويأتي إعلان بن غفير عن بناء الجناح ومرفق الشنق بالتزامن مع تكثيف ظهوره الإعلامي وترويجه للإجراءات التي يتخذها ضد الأسرى الفلسطينيين، في وقت يستعد فيه الاحتلال لانتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
خطاب التحريض والمفاخرة
ويستخدم الوزير "الإسرائيلي" ملف الأسرى منذ فترة في حملته السياسية، لكن الإعلان الأخير يذهب أبعد من التلويح بتشديد ظروف الاعتقال أو المطالبة بتشريع الإعدام، إلى عرض منشأة يقول إن سلطات الاحتلال بدأت فعلياً في بنائها لتنفيذ الأحكام.
ويحمل إصرار بن غفير على نشر الصور ومقطع الفيديو والتحدث عن غرف لمشاهدة الإعدام من جانب عائلات "الإسرائيليين"، ثم وصفه المشروع بأنه "صناعة للتاريخ"، دلالة على رغبة واضحة في تقديم عقوبة الإعدام باعتبارها إنجازاً سياسياً وجزءاً من خطاب التحريض على الأسرى الفلسطينيين.
وبينما كان قانون الإعدام لسنوات موضوعاً للخلاف داخل المؤسسة السياسية "الإسرائيلية"، فإن إعلان بدء بناء جناح خاص للمحكومين بالإعدام ومرفق للشنق ينقل القضية إلى مرحلة جديدة، عنوانها الاستعداد لتنفيذ العقوبة عملياً، في وقت يواصل فيه بن غفير تقديمها للرأي العام "الإسرائيلي" بوصفها واحدة من أبرز وعوده التي يقول إنه أوفى بها.
