تقرير /شهاب
تحتجز رام الله آلاف جوازات السفر لمواطنين من قطاع غزة بذريعة "المنع الأمني"، في خطوة يصفها حقوقيون بأنها تمسّ أحد أبسط الحقوق الأساسية للفلسطينيين في التنقل والحصول على وثائقهم الرسمية.
وبين رواية "الاعتبارات الأمنية" والشكاوى المتزايدة من متضررين في الخارج، تتكشف أزمة معقّدة تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والسياسية والإنسانية، وتضع آلاف الفلسطينيين أمام واقع يهدد إقامتهم ودراستهم وعلاجهم، ويطرح تساؤلات جدية حول حدود هذه الإجراءات، ومدى مشروعيتها، وآليات الطعن فيها.
وذكر مركز غزة لحقوق الإنسان، في بيانٍ حقوقي، وجود شكاوى متزايدة لفلسطينيين من قطاع غزة يقيمون في عدد من الدول، بينها مصر وتركيا وماليزيا وقطر، بتعرضهم لرفض إصدار أو تجديد جوازات سفرهم من قبل سفارات وبعثات دبلوماسية فلسطينية، بذريعة ما يُعرف بـ"المنع الأمني".
مصطلح فضفاض
واعتبر المركز أن استخدام مصطلح "المنع الأمني" بشكل فضفاض، دون معايير منشورة أو إجراءات قانونية واضحة، يندرج ضمن التعسف في استعمال السلطة، وقد يرقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة عندما يستهدف فئة بعينها على أساس الانتماء الجغرافي.
وأكد المركز، حينها، أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا جسيمًا للحقوق الأساسية، وتمسّ الحق في حرية التنقل والحصول على الوثائق الرسمية، محمّلًا السلطة الفلسطينية المسؤولية القانونية المباشرة، ومطالبًا بوقف هذه السياسة التعسفية، وضمان حق المواطنين في جوازات سفرهم دون تمييز.
ويقول المواطن كمال ياسين (43 عامًا) إنه غادر قطاع غزة في أبريل/نيسان 2024 متوجهًا إلى الخارج لتلقي العلاج، بعد إصابته جراء قصف استهدف منزله، مضيفًا أنه استقر في القاهرة لمتابعة وضعه الصحي.
وأوضح أنه في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، توجّه إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة، وقدّم طلبًا لتجديد جواز سفره، باعتباره وثيقة أساسية تضمن له استكمال علاجه وتنظيم إقامته القانونية.
وأضاف: "فوجئت برفض تسليم جواز سفري بدواعٍ أمنية، حيث جرى احتجازه منذ أكثر من عامين تحت ذريعة المنع الأمني، رغم أنني أعمل مدرسًا في وظيفة مدنية لا صلة لها بأي جوانب أمنية، ما وضعني في ظروف صعبة، خاصة أنني بحاجة إليه لمتابعة العلاج والتنقل".
وأشار إلى أن غياب الجواز جعله يواجه حالة من القلق وعدم الاستقرار، في ظل ارتباط وضعه القانوني والصحي بامتلاكه وثيقة سفر سارية، داعيًا إلى معالجة هذه القضية وتمكينه من الحصول على جوازه في أقرب وقت ممكن.
في حين يقول المواطن عبد الرؤوف علوش (39 عامًا) إنه غادر قطاع غزة برفقة عائلته إلى مصر، مستخدمًا جواز سفر ساري المفعول، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع.
وأوضح أنه مع مطلع عام 2025، سعى إلى تجديد جواز سفره لضمان استمرارية إقامته وتنقلاته، فقام بتقديم طلب رسمي عبر شقيقه المقيم في رام الله، من خلال مقر الأحوال المدنية هناك.
وأضاف: "قدّمنا المعاملة بشكل قانوني واستوفينا كل الإجراءات المطلوبة، لكن دون أي نتيجة حتى الآن"، مشيرًا إلى أن شقيقه راجع الجهات المختصة أكثر من مرة للاستفسار عن الطلب أو استلام الجواز، "وكان يحصل في كل مرة على نفس الإجابة، وهي أن الجواز محجوز لدى جهاز الأمن الوقائي بذريعة أسباب أمنية".
مبررات واهية
وأكد علوش أن هذه المبررات "غير مفهومة وواهية"، موضحًا أنه مواطن مدني لا ينتمي إلى أي تنظيمات، ولا يعمل في أي جهة حكومية في غزة، "وهي الأسباب التي يُقال إنها تُستخدم كذريعة لعدم إصدار الجواز".
ولفت إلى أن استمرار احتجاز جوازه، وغياب أي توضيح رسمي، يضعه وعائلته في حالة من القلق وعدم الاستقرار، مطالبًا الجهات المختصة بإنهاء معاملته وتمكينه من الحصول على جوازه بشكل عاجل.
وقال الخبير في القانون الدولي، صلاح عبد العاطي، إن مصطلح "المنع الأمني" المستخدم في ملف جوازات السفر الفلسطينية لا يستند إلى تعريف قانوني واضح في التشريعات الفلسطينية، بل يُعد توصيفًا إداريًا أو أمنيًا غير مُقنّن، يُستخدم لتبرير الامتناع عن تقديم خدمة عامة، مثل إصدار أو تجديد جواز السفر، ما يجعله إجراءً فضفاضًا يفتقر إلى أساس قانوني محدد.
وأوضح عبد العاطي أن جواز السفر يُعد حقًا دستوريًا مرتبطًا بحرية التنقل، وأن أي حرمان منه يجب أن يكون مستندًا إلى أساس قانوني واضح، ومصحوبًا بتسبيب قانوني، مع إتاحة الحق في الطعن. وأكد أن غياب هذه العناصر يجعل القرار غير مشروع، ويُشكّل انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة القانون.
وفي السياق ذاته، أشار إلى أن القواعد العامة في القانون الإداري تُلزم الجهات المختصة بإصدار قرارات مكتوبة ومسببة وقابلة للطعن، لافتًا إلى أن غياب التسبيب لا يؤدي فقط إلى بطلان القرار، بل يُعد انتهاكًا لحق الدفاع، ويُشكل قرينة على التعسف والانحراف في استخدام السلطة.
وأضاف أن استخدام "المنع الأمني" بهذه الصيغة يتعارض مع نصوص القانون الأساسي الفلسطيني، خاصة ما يتعلق بحرية التنقل، كما يتناقض مع التزامات دولة فلسطين بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن حرية الحركة، مؤكدًا أن أي تقييد لهذا الحق يجب أن يكون بنص قانوني واضح، ولضرورة مشروعة، وبشكل متناسب، وهي شروط لا تتوافر غالبًا في حالات "المنع الأمني".
وأشار عبد العاطي إلى أن هذا الإجراء يتحول إلى انتهاك جسيم عندما يُطبّق دون أساس قانوني، أو يُمارس بشكل تعسفي وغير متناسب، أو يمتد تأثيره إلى فئات واسعة دون تمييز فردي، أو يُستخدم كأداة ضغط خارج إطار القضاء، موضحًا أنه، في هذه الحالة، قد يرقى إلى تقييد تعسفي للحقوق، بل وقد يصل إلى مستوى العقاب الجماعي المحظور دوليًا.
وخَلُص إلى أن "المنع الأمني" في ملف جوازات السفر لا يُعد مفهومًا قانونيًا منظمًا، بل ممارسة إدارية فضفاضة، وأن استخدامه دون ضوابط قانونية وقضائية واضحة يُشكّل انتهاكًا لحرية التنقل ومبدأ المشروعية، وقد يرتقي إلى تعسف مؤسسي وعقاب جماعي.
"صك اعتراف سياسي"
ويرى المحلل السياسي محمد شاهين أنه لا يمكن اختزال قرارات رفض إصدار أو تجديد جوازات السفر في إطار إجراءات إدارية فردية، معتبرًا أن ما يجري يمثل "تجسيدًا بيروقراطيًا لاستراتيجية سياسية أعمق"، تُستخدم فيها أدوات السلطة ، في "محاصرة المعارضة".
ويشير إلى أن الإجراء الفردي ليس سوى "الرأس الظاهر من جبل الجليد"، بينما تكمن خلفه، وفق تحليله، سياسة ممنهجة تعيد تعريف مفهوم المواطنة الفلسطينية وفق معايير ترتبط بالولاء السياسي للحاضنة الحاكمة في رام الله. ويضيف أن تحويل جواز السفر من وثيقة مدنية إلى ما يشبه "صك اعتراف سياسي" يعكس وجود توجه استراتيجي يتجاوز مجرد أخطاء إدارية أو اجتهادات فردية داخل المؤسسات.
وفي قراءته لطبيعة الحالات المسجلة، يؤكد شاهين أن المؤشرات على وجود نمط متكرر "واضحة ولا تخطئها العين"، موضحًا أن ما يسميه "خريطة المنع الأمني" ترسم حدودًا سياسية تتجاوز الجغرافيا.
ويشرح أن هذا النمط يقوم على محورين رئيسيين: الأول جغرافي، يتمثل –بحسب قوله– في الاستهداف شبه الكامل لأبناء قطاع غزة، بحيث يصبح الانتماء إلى هذه المنطقة بحد ذاته سببًا للرفض الإداري، في مخالفة، كما يرى، لنصوص القانون الأساسي الفلسطيني التي تجرّم التمييز على أساس مكان الإقامة.
أما المحور الثاني فهو سياسي/عقائدي، حيث تطال إجراءات المنع والاحتجاز، وفق تحليله، من يُشتبه بانتمائهم أو تعاطفهم مع قوى معارضة، سواء إسلامية أو يسارية، خارج إطار السلطة في الضفة الغربية. ويعتبر أن هذا التكرار الجغرافي والسياسي ينفي صفة العشوائية، ويعزز فرضية وجود تعليمات مركزية تُطبق بشكل منظم، وليس مجرد قرارات قنصلية متفرقة.
وفي ما يتعلق بالجهات المسؤولة عن هذه القرارات، يذهب شاهين إلى أن الدور لا يقتصر على الجهات الإدارية كوزارة الخارجية أو دوائر الجوازات، بل يتعداه إلى ما يصفه بـ"أجهزة الأمن" التي تعمل في الخلفية، مشيرًا إلى وجود "ثنائية حكم" تجمع بين واجهة مدنية إدارية وقبضة أمنية فاعلة.
ويعتبر أن الضفة الغربية تمثل مركز اتخاذ القرار في هذا الملف، موضحًا أن "المنع الأمني" لا يستند، في كثير من الحالات، إلى أحكام قضائية قابلة للطعن أمام محكمة العدل العليا، بل إلى تقديرات استخباراتية مغلقة.
"تغولًا أمنيًا"
ويرى أن هذه الآلية تؤدي إلى تحول الأجهزة الأمنية من جهة استشارية إلى سلطة تتداخل فيها الأدوار القضائية والإدارية، ما يشكل، بحسب وصفه، "تغولًا أمنيًا" وخلطًا بين السلطات، حيث لا يعود القرار النهائي بيد الجهات الإدارية المختصة، بل بيد الأجهزة الأمنية.
وفي سياق أوسع، يربط شاهين هذه الإجراءات بحالة الانقسام السياسي الفلسطيني المستمرة منذ عام 2007، معتبرًا أنها تعكس "الوجه المؤسسي لصراع الشرعيات" بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ويشير إلى أن هذا الانقسام أفرز نظامًا سياسيًا يعاني من خلل بنيوي، في ظل وجود سلطتين منفصلتين، ما أدى إلى تحويل جواز السفر إلى "ورقة مساومة" في سياق الصراع على التمثيل السياسي.
ويرى أن منع تجديد الجوازات لسكان قطاع غزة يحمل دلالات سياسية، تتمثل في ربط التمتع بالحقوق المرتبطة بالوثيقة الرسمية بدرجة الخضوع للسلطة القائمة في رام الله. ويخلص إلى أن الجواز الفلسطيني لم يعد، في ظل هذه الظروف، مجرد وثيقة هوية جامعة، بل أصبح يعكس تعقيدات الواقع السياسي والانقسام، وهو ما يعكس، برأيه، تحديات عميقة تعيق قيام مؤسسات موحدة في ظل استمرار هذا الانقسام.
