تقرير حلم الغزيات مياه في "المواسير".. أمنية تعيد للحياة إيقاعها المفقود

تقرير / شهاب

لم تعد أحلام الغزيات معلّقة ببيوت وجدران وأبواب، بل انكمشت بعد أكثر من عامين من النزوح إلى أمنيات صغيرة بحجم الحياة نفسها. بات صوت الماء المتدفق من ماسورة  داخل الخيمة أو قريبًا منها حلمًا وأمنية مؤجلة، تتردد في أحاديث النساء وأمنياتهن أكثر من أحلامهن بإعادة الإعمار والعودة إلى بيوتهن.

فبين الطوابير الطويلة، والجالونات الفارغة، وروتين تعبئة المياه اليومي، ومعاناة نقلها إلى الخيمة، تحوّل الماء من خدمة بديهية إلى حلم ربما بعيد المنال، ومن حق طبيعي إلى معركة تبدأ مع الفجر ولا تنتهي مع المساء.

تتعمق أزمة المياه في قطاع غزة بصورة حادة نتيجة تضرر البنية التحتية الأساسية للمياه خلال الحرب، إذ تعرضت محطات تحلية المياه التي كانت تعمل في القطاع للقصف والتدمير، إلى جانب تضرر عدد كبير من آبار المياه الجوفية وشبكات الضخ والتوزيع. هذا التراجع الحاد في مصادر المياه الآمنة فاقم من حدة الأزمة، وقلّص بشكل كبير القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية للنازحين.

جالونات بلاستيكية

وتنعكس هذه الأزمة بصورة أكثر قسوة داخل خيام النزوح، حيث لا تتوفر مواسير مياه أصلًا في كثير من المخيمات، مما يجبر النساء والعائلات على الاعتماد الكامل على نقل المياه يدويًا في جالونات بلاستيكية من نقاط تعبئة أو صهاريج متنقلة.

ومع غياب شبكة مياه مستقرة، تتحول أبسط تفاصيل الحياة اليومية من الشرب إلى الطبخ والنظافة إلى عبء ثقيل يتطلب جهدًا مستمرًا في ظل ظروف معيشية شديدة الصعوبة.

تقف شيماء عبد الواحد، 31 عامًا، كل صباح أمام خيمتها في أحد مخيمات النزوح بمنطقة مواصي خان يونس، حاملة جالونًا بلاستيكيًا فارغًا، في مشهد يتكرر يوميًا دون أن يختلف إلا في حجم الإرهاق الذي يتراكم داخلها.

تقول شيماء إن أكثر ما تتمناه اليوم ماسورة مياه داخل خيمتها، يخفف عنها عناء الرحلة اليومية لجلب المياه، ويمنحها قدرة على إنجاز أبسط تفاصيل حياتها دون هذا الجهد المتواصل.

تقول بصوت يختلط فيه التعب بالحنين إلى حياة كانت أكثر بساطة:"أحلم أن أستيقظ صباحًا فأجد الماء ينساب من الماسورة ، أغسل وجهي وأبدأ يومي بشكل طبيعي مثل أي إنسان في العالم”.

وتضطر شيماء كغيرها من النساء داخل المخيم إلى قطع مسافات متباعدة أو انتظار صهاريج المياه لتعبئة الجالونات، ثم العودة بها إلى الخيمة، وغالبًا بمساعدة أحد أفراد العائلة، نظرًا لصعوبة حملها وحدها.

وتضيف أن هذه المهمة عبء جسدي ونفسي يستهلك وقتها وجهدها ويؤثر على قدرتها على القيام بباقي أعمالها المنزلية.

وتوضح أن غياب مصدر مياه ثابت داخل الخيمة أو المخيم يجعل كل استخدام للماء مهمة حسابية دقيقة، تبدأ من الشرب والطهي ولا تنتهي عند النظافة الشخصية، في ظل ظروف نزوح تفتقر فيه غالبية النساء إلى أبسط مقومات الحياة المستقرة.

في حين تقول ولاء إن زواجها الذي لم يتجاوز 29 شهرًا تحوّل مع الحرب إلى سلسلة من التفاصيل المرهقة المرتبطة بندرة المياه. فهي تحلم أن تصحو من نومها مثل باقي نساء العالم، تتجه إلى حمام نظيف، وتستقبل يومها بهدوء وراحة، بعيدًا عن همّ الجالونات الفارغة وانتظار توفر الماء.

عبء متكرر

لكن واقعها اليومي مختلف؛ إذ تضطر إلى انتظار زوجها ليجلب المياه أو يساعدها في تعبئة الجالونات، قبل أن تبدأ في استخدام كمية محدودة منها لغسل وجهها والبدء في ترتيب تفاصيل يومها داخل الخيمة.

وتوضح أن كل مهمة منزلية باتت مرتبطة بحسابات دقيقة لكمية الماء المتوفرة، في ظل استمرار أزمة النقص الحاد.

وتضيف ولاء أن أكثر ما يرهقها هو اضطرارها في بعض الأيام إلى إشعال النار لتسخين المياه من أجل الاستحمام أو التنظيف، في ظل غياب أي مصدر ثابت للمياه الساخنة أو الباردة. وتقول إن هذا الروتين اليومي حوّل أبسط احتياجات الحياة إلى عبء متكرر يستنزف وقتها وجهدها.

وبحسب تقرير لسلطة المياه الفلسطينية بعنوان: “المرأة والمياه في فلسطين”، فإن النساء يتحملن العبء الأكبر لأزمة المياه بحكم أدوارهن الاجتماعية التقليدية، إذ تقع عليهن مسؤولية إدارة المياه داخل الأسرة، بما يشمل تأمينها وتخزينها وترشيد استخدامها لتلبية احتياجات الشرب والطهو والنظافة.

ويؤكد التقرير أنه في ظل شح المياه، تضطر العديد من النساء إلى قضاء ساعات أطول في تأمين المياه أو انتظار وصولها، ما يزيد من أعبائهن اليومية ويحدّ من فرص مشاركتهن في التعليم والعمل.

يقول الأخصائي الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور إن الماء في السياق الاجتماعي لا يُنظر إليه كحاجة حياتية فحسب، بل كعنصر أساسي في تشكيل الإيقاع اليومي للإنسان.

ويوضح أن غياب الاستقرار في الحصول عليه داخل بيئات النزوح لا يقتصر أثره على جانب معيشي واحد، بل يمتد ليعيد تشكيل تفاصيل اليوم كاملة، بحيث يتحول الماء من خدمة متاحة إلى هاجس يومي يفرض حضوره على التفكير والتخطيط لأبسط الأنشطة.

ويضيف منصور أن "الماسورة داخل الخيمة" في هذا السياق لا يُختزل كأداة، بل يتحول إلى رمز لاستعادة الإيقاع الطبيعي للحياة. فوجود مصدر ماء ثابت داخل مساحة السكن المؤقت يعني تقليص العبء الجسدي والذهني المرتبط بجلب المياه، وإعادة جزء من القدرة على إدارة تفاصيل اليوم بشكل سلس ومنظم، وهو ما يجعل هذا المشهد أقرب إلى حلم يومي يعكس حاجة أعمق للاستقرار.

ويشير إلى أن هذا الحلم لا يتعلق بالماء وحده، بل يرتبط بالشعور بالسيطرة على تفاصيل الحياة اليومية. فوفقًا للمنظور الاجتماعي، فإن التنظيم اليومي يشكل جزءًا من الإحساس بالكرامة والاستقرار النفسي، بينما يؤدي غياب هذا التنظيم إلى شعور دائم بأن اليوم خارج السيطرة، في حين يمثل توفر الماء بشكل مباشر عودة لهذا الإحساس بالتحكم.

ويلفت منصور إلى أن النساء في بيئات النزوح يتحملن العبء الأكبر في إدارة التفاصيل اليومية داخل الخيام، ما يجعل أزمة المياه أكثر تأثيرًا عليهن. فغياب الماء لا يغير فقط شكل المهام اليومية، بل يعيد تعريف مفهوم "اليوم الطبيعي"، الذي يتحول من روتين منظم إلى يوم تحكمه عملية تأمين الاحتياجات الأساسية وتوفرها.

علامة استعادة الحياة 

ويؤكد منصور بأن توفر الماء فى المواسير بشكل منتظم ينعكس بشكل مباشر على الحالة النفسية والاجتماعية، إذ يخفف من الضغط الذهني المرتبط بالبحث المستمر عن الحاجة، ويعيد بناء شعور بالاستمرارية والإيقاع الطبيعي للحياة، حتى في ظل ظروف النزوح القاسية و يصبح أكثر من مجرد وسيلة، بل علامة على إمكانية استعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية داخل واقع غير مستقر.

من جانبها، تقول عضو المجلس البلدي في بلدية غزة فداء المدهون إن واقع المياه في المدينة يواجه تحديات مركبة في ظل الظروف الحالية، مع تزايد أعداد النازحين داخل المخيمات، الأمر الذي انعكس مباشرة على آليات التوزيع والإدارة.

وتوضح أن احتياجات النساء داخل هذه المخيمات تؤخذ بعين الاعتبار في التخطيط اليومي لتوزيع المياه، باعتبارهن الأكثر تحمّلًا لعبء تأمين المياه داخل الخيام وإدارتها ضمن تفاصيل الحياة اليومية.

وتشير المدهون إلى أن البلدية لجأت إلى حلول بديلة للتعامل مع تراجع الإمدادات، من بينها تشجيع استخدام الغواطس، والتي وصل عددها إلى نحو 1300 غاطس داخل المدينة، إلى جانب تشغيل 35 بئر مياه تعمل ضمن الإمكانيات المتاحة.

وتؤكد أن هذه الإجراءات تأتي في إطار محاولات التخفيف من الضغط المتزايد على شبكات المياه، خصوصًا في مناطق النزوح المكتظة، حيث تتحول عملية تأمين المياه إلى جزء أساسي من يوم النساء داخل الخيام.

وتوضح أن حجم المياه المتوفر حاليًا من الآبار العاملة، إضافة إلى ما يتم ضخه من مياه "ميكروت"، لا يتجاوز نحو 35 ألف كوب يوميًا، وهو رقم محدود مقارنة بما كان متاحًا قبل الحرب، إذ كانت الشبكة المائية تستقبل قرابة 100 ألف كوب يوميًا، بينها 70 ألف كوب من الآبار، و20 ألف كوب من “ميكروت”، و10 آلاف كوب من محطة التحلية في منطقة السودانية شمالي القطاع، والتي تعرضت للتدمير.

وتضيف أن هذا التراجع الحاد في كميات المياهو شكل وصولها للنساء، في ظل وجود نحو مليون نازح داخل مدينة غزة، أدى إلى انخفاض كبير في حصة الفرد، ما ضاعف من الضغط اليومي داخل المخيمات.

وتشير إلى أن هذا الواقع يجعل النساء في قلب الأزمة، باعتبارهن المسؤولات بشكل مباشر عن إدارة المياه داخل الأسر، وتحويلها إلى مورد يُدار بحسابات دقيقة تمس تفاصيل الحياة اليومية

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة