تقرير أطفال غزة.. الحرب تسرق الطفولة وتدفعهم إلى أعباء تفوق أعمارهم

أطفال غزة.. الحرب تسرق الطفولة وتدفعهم إلى أعباء تفوق أعمارهم

تقرير – شهاب

في قطاع غزة، لم تعد الطفولة مرتبطة بالمدارس واللعب والأحلام الصغيرة، بل أصبحت محمّلة بالمسؤوليات الثقيلة، بعد أن دفعت حرب الإبادة على القطاع كثيرًا من الأطفال إلى مواجهة حياة تفوق أعمارهم.

وبين الخيام ومراكز النزوح، يعيش أطفال غزة تفاصيل قاسية، حيث يتحول بعضهم إلى معيلين لأسرهم، بينما يتحمل آخرون مسؤولية رعاية أشقائهم، في واقع سرق منهم أبسط حقوقهم.

عربة بدل المدرسة

الطفل مالك أبو نصر (10 أعوام) يعمل على عربة نقل في دير البلح وسط قطاع غزة، محاولًا أن يحمل فوقها ما يفوق عمره بكثير، بعد أن وجد نفسه مسؤولًا عن إعالة أسرته في ظل ظروف الحرب الصعبة.

فقد مالك والده في غارة "إسرائيلية"، لتتغير حياته بالكامل، ويصبح مضطرًا للعمل من أجل توفير احتياجات والدته المريضة وإخوته الصغار، بينما يعيشون جميعًا داخل خيمة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

ويقضي الطفل ساعات طويلة في العمل يوميًا، متنقلًا بين الطرقات بعربته الصغيرة، في محاولة لمساعدة عائلته على مواجهة الحياة القاسية التي فرضتها الحرب.

ورغم كل ما يعيشه من تعب ومسؤوليات مبكرة، ما يزال مالك يتمسك بحلمه في استكمال تعليمه، والعودة إلى حياة طبيعية تشبه حياة الأطفال في بقية أنحاء العالم.

ويأمل مالك أن يأتي يوم يترك فيه العمل الشاق، ويعود إلى المدرسة، ليعيش طفولته بعيدًا عن النزوح والفقدان والمعاناة التي أثقلت سنواته الصغيرة.

وفي خيمة أخرى وسط قطاع غزة، تعيش الفتاة لميس الكحلوت (16 عامًا) واقعًا مختلفًا، بعدما أصبحت المسؤولة عن رعاية شقيقيها الصغيرين، عقب سفر والديها إلى مصر لتلقي العلاج.

وكان منزل العائلة شمال قطاع غزة قد تعرض لقصف "إسرائيلي"، ما أدى إلى إصابة والديها واستشهاد شقيقتها، لتجد لميس نفسها أمام مسؤوليات ثقيلة فرضتها الحرب بشكل مفاجئ.

وتحاول الفتاة توفير الرعاية لشقيقيها داخل ظروف إنسانية صعبة، بينما تتمسك بأمل لقاء والديها مجددًا، ولمّ شمل الأسرة بعد سنوات من الفراق والمعاناة.

حرب الحاجة والغياب

بدورها، قالت الأخصائية النفسية والاجتماعية سمية السويركي، إن وقف إطلاق النار في قطاع غزة لم يكن نهايةً للألم كما ظن كثيرون، بل كان بداية فصل جديد أكثر صمتًا وأشد قسوة في تفاصيله اليومية، موضحةً، أن آثار الفقد لم تنتهِ بانتهاء المشهد العسكري، بل بدأت حرب أخرى داخل الخيام المهترئة؛ حرب الحاجة والغياب والمسؤوليات الثقيلة التي هبطت فجأة على أكتاف أطفال لم تُخلق لتحملها.

وأضافت السويركي، في حديثها لوكالة شهاب، أن كثيرًا من الأسر التي فقدت معيلها باستشهاد الأب، أو غاب عنها الوالد مضطرًا للسفر من أجل العلاج، وجدت أطفالها في مواجهة واقع قاس يفرض عليهم أن يكبروا قبل أوانهم، وأن يستبدلوا دفاتر المدرسة بأعباء العمل، بحثًا عن لقمة تحفظ بقاء العائلة وسط ظروف معيشية شديدة الصعوبة.

وأشارت إلى أن الأطفال الذين يعيشون في زوايا الخيام المثقلة بالفقد والانتظار، لم تمنحهم الحياة فرصة أن يعيشوا طفولتهم كما ينبغي، إذ وجدوا أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات تفوق أعمارهم الصغيرة، في ظل غياب المعيل واشتداد ضيق الحياة يومًا بعد يوم.

وذكرت أن بعض هؤلاء الأطفال لا يملكون رفاهية الانشغال باللعب أو الدراسة أو الأحلام البسيطة التي تليق بأعمارهم، بل يجدون أنفسهم مضطرين للنزول إلى سوق العمل لتأمين لقمة الطعام أو توفير احتياجات أساسية لعائلاتهم، موضحةً أن الطفل يحمل عبئًا لا يشبه طفولته، ويستيقظ باكرًا للعمل في ظروف شاقة بينما يحمل داخله أسئلة أكبر من عمره حول كيفية توفير الطعام والتخفيف عن أمه وإخوته والاستمرار رغم التعب والخوف والحرمان.

وبيّنت أن هذه المسؤوليات المبكرة لا تترك أثرها على أجساد الأطفال فقط، بل تمتد عميقًا إلى عالمهم النفسي، إذ يعيش الطفل الذي يُدفع إلى دور المعيل قبل أوانه ضغطًا نفسيًا مستمرًا وشعورًا بالقلق والخوف من العجز، فضلًا عن الإحساس بالفقد أو الوحدة أو المسؤولية الثقيلة التي تتجاوز قدرته على الاحتمال.

ولفتت إلى أن التعليم، بوصفه حقًا أساسيًا وطريقًا طبيعيًا نحو المستقبل، يصبح أحيانًا ضحية مباشرة لهذه الظروف، حيث يضطر بعض الأطفال إلى التغيب المتكرر عن المدرسة أو تركها بالكامل من أجل العمل، لتتحول دفاترهم المدرسية إلى ذكرى مؤجلة، وأحلامهم الصغيرة إلى مسؤوليات ثقيلة فرضها الواقع.

وشددت السويركي، على أن الحديث عن هؤلاء الأطفال ليس حديثًا عن أرقام أو حالات فردية، بل عن طفولة تُنتزع منها أبسط حقوقها تحت وطأة الحاجة والفقد والظروف القاسية، مؤكدةً أنهم لا يحتاجون فقط إلى المساعدة المادية، بل إلى حماية إنسانية حقيقية، ودعم نفسي وتعليمي يضمن لهم ألا تتحول المعاناة إلى مستقبل مثقل بالحرمان والانكسار.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر