تقرير العودة إلى التعليم الوجاهي في غزة.. ضرورة لتعويض الفاقد التعليمي واستعادة الاستقرار النفسي

صورة تعبيرية

خاص – شهاب

تسببت حرب الإبادة التي تشنها "إسرائيل" على قطاع غزة منذ نحو 3 سنوات، في إحداث أضرار واسعة طالت مختلف مناحي الحياة، وكان قطاع التعليم من أكثر القطاعات تضررًا، بفعل تدمير المؤسسات التعليمية، واستمرار انقطاع الطلبة عن مقاعد الدراسة، واللجوء إلى التعليم الإلكتروني كحل بديل في ظل الظروف الاستثنائية.

وفي ظل استمرار آثار الحرب على العملية التعليمية، يبرز ملف العودة إلى التعليم الوجاهي كضرورة لتعويض الفاقد التعليمي، واستعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة، في ظل تحذيرات من مخاطر استمرار التعليم عن بعد وتأثيراته طويلة الأمد على التحصيل الأكاديمي والنمو النفسي والاجتماعي للأجيال القادمة.

ركيزة أساسية

الكاتب والباحث الفلسطيني هلال نصار، قال، إن أهمية العودة إلى التعليم الوجاهي في قطاع غزة تكمن في كونه الأساس الفعال لتعويض الفاقد التعليمي، واستعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي للطلبة، بعد فترات الانقطاع الناتجة عن الحرب.

وأوضح نصار، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن التعليم الحضوري يوفر بيئة تفاعلية مباشرة لا يمكن للتعليم عن بعد أن يعوضها بالكامل، سواء على مستوى التحصيل المعرفي أو التنمية الشخصية.

وأشار إلى أن تعويض الفاقد التعليمي "الخسارة التعليمية" هو الفجوة بين ما كان مخططًا له في المناهج وما اكتسبه الطلبة فعليًا بسبب انقطاع الدراسة وضعف جودة التعليم عن بعد.

وأكد أن الدراسات والتجارب العالمية والعربية تؤكد أن التعليم الوجاهي هو الركيزة الأساسية لاستدراك هذا الفاقد، لأنه يتيح تفاعلًا مباشرًا مع المعلمين يسمح بالتشخيص الفوري للفجوات وتقديم الدعم المتمايز، إلى جانب أنشطة جماعية وتطبيقية تعزز المهارات الأساسية، مثل القراءة والحساب والتفكير النقدي.

وبيّن أن المدرسة الوجاهية ليست مجرد مكان للمعرفة، بل فضاء اجتماعي يعيد بناء الشعور بالانتماء والأمان، مشيرًا إلى أن التفاعل اليومي مع الأقران والمعلمين ينمي مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، ويقلل من العزلة والقلق والاكتئاب التي تفاقمت خلال فترات الانقطاع.

ولفت إلى أن أبحاثًا حديثة تربط زيادة أيام الحضور الوجاهي بانخفاض المشكلات العاطفية، مثل العدوانية والانسحاب الاجتماعي والأعراض الجسدية النفسية، وتحسن الرفاه الذاتي والصحة المبلغ عنها ذاتيًا، مع استمرار هذه الفوائد لسنوات لاحقة.

وأضاف أن الدعم النفسي الاجتماعي المدمج في البيئة الصفية، عبر مساحات للتعبير وأنشطة تفاعلية وبيئة داعمة، يساعد الطلبة على استعادة الدافعية والتركيز بعد الصدمات أو التوتر.

مخاطر الانقطاع

وأكد نصار أن العودة إلى المدرسة تمثل رمز صمود وأمل، وتعيد بناء علاقة الطفل بالتعلم وبذاته وبمجتمعه.

وحذر من مخاطر استمرار انقطاع الطلبة عن الدراسة، موضحًا أن الانقطاع المطول أو الغياب المزمن يرتبط بمخاطر متعددة ومركبة، وتكون هذه الآثار أشد على الطلبة من خلفيات محرومة أو الذين يعانون ظروفًا أسرية صعبة، وقد تستمر لسنوات.

وذكر أن هذه المخاطر تتمثل أكاديميًا في انخفاض ملحوظ في درجات الاختبارات، خاصة الرياضيات، وتراجع التحصيل، وتكرار الصفوف، وانخفاض احتمالات التخرج والالتحاق بالتعليم العالي.

وأشار إلى أن المخاطر نفسيًا واجتماعيًا تشمل ارتفاع احتمالات المشكلات الصحية النفسية، مثل القلق والاكتئاب والتوتر، وضعف الرفاه في مرحلة البلوغ المبكر، وانخفاض الثقة بالنفس والعزلة الاجتماعية والثقة بالآخرين.

كما لفت إلى المخاطر السلوكية والتنموية، والتي تتمثل في زيادة السلوكيات الخطرة، وضعف المهارات الاجتماعية العاطفية، وصعوبة الاندماج لاحقًا في سوق العمل أو المجتمع.

ودعا نصار الأهالي إلى تشجيع أبنائهم على العودة والانتظام في التعليم الوجاهي، من خلال التحدث الإيجابي والاستماع إلى مخاوفهم، وتعزيز الدافعية والمتعة، وربط التعلم بهوايات الطفل، والاحتفال بالإنجازات الصغيرة بعد العودة.

وشدد على أهمية التعاون والتواصل مع المعلمين لمتابعة التقدم والفجوات، إلى جانب الحفاظ على التوازن بين الدراسة والراحة واللعب الصحي، ودعم الأطفال نفسيًا ومراقبة علامات التوتر أو الانسحاب.

وأكد أن العودة إلى التعليم الوجاهي استثمار طويل الأمد في مستقبل الطلبة والمجتمع، وأن كلما كان الحضور منتظمًا والدعم متكاملًا ، أكاديمي ، نفسي ، اجتماعي، زادت فرص التعافي الكامل والازدهار، مشدد على أن الأهل والمعلمون والمدارس شركاء في هذه العملية.

تخفيف المساقات

بدوره، قال الكاتب والباحث الفلسطيني في مجالات العلوم الإنسانية، مصطفى أبو السعود، إن الحرب أثرت على كل مناحي الحياة في غزة، ومنها التعليم، من خلال تدمير المؤسسات التعليمية، واغتيال الكوادر التعليمية، وقتل التلاميذ والطلبة، ما دفع وزارة التعليم إلى اللجوء للتعليم الإلكتروني من باب "سدد وقارب"، وحتى لا تضيع الأعوام الدراسية على الطلبة. 

وأضاف في حديث خاص لوكالة شهاب، أن التعليم الإلكتروني بدا في الوهلة الأولى بديلًا مؤقتًا لفترة مؤقتة، لكن استمرار الحرب نقل التعليم الإلكتروني من مؤقت إلى دائم، مما كان له آثار سلبية على العملية التعليمية. 

وأوضح أن أبرز مظاهر سلبية التعليم الإلكتروني تتمثل في غياب التفاعل الصفي بين المعلم والطلبة، وغياب أدوات القياس والتقويم السليمة، مثل الاختبارات الشهرية الوجاهية والأنشطة المدرسية، سواء المنهجية أو اللامنهجية، مشيرًا إلى أن الخلل الذي أصاب بنية التعليم سيمتد أثره لسنوات. 

وأشار إلى أن من أخطر تأثيرات الحرب على التعليم أن الجيل الذي كان مقررًا له دخول المرحلة الابتدائية مع بداية الحرب لم تتح له الفرصة، كما أن الجيل الذي كان مقررًا له دخول المرحلة الثانوية دخلها وخرج منها في ظل التعليم الإلكتروني، ما أفقده الكثير من التحصيل الدراسي.

 واقترح أبو السعود تخفيف حجم المساقات التعليمية وتقسيمها بين التعليم الوجاهي والإلكتروني، بحيث يذهب الطالب إلى المدرسة يومين أسبوعيًا.

 وأوضح أن الفائدة من ذلك أن يشعر الطالب أنه طالب ويتعامل مع الحياة كما هي بما فيها من صعوبات، ويتعلم من خلال التفاعل الصفي، إلى جانب إعطاء المعلم فرصة لمعرفة قدرات الطالب ومقارنتها بما يحصل عليه الطالب من درجات في الامتحانات الإلكترونية. 

وأشار إلى أن ذلك يتطلب جهدًا مكثفًا من الأهالي، وأن تحاول الوزارة إيجاد مراكز تعليمية قريبة من مخيمات النزوح لتخفيف العبء المالي عن كاهل الأهالي فيما يتعلق بالمواصلات. 

وأكد أن تعليم الأطفال بالحد الأدنى من المساقات، مثل اللغة العربية والرياضيات والتربية الإسلامية، خاصة في المرحلة الابتدائية، هو المطلوب حاليًا، لافتا إلى أن لكل مرحلة طبيعة وظروفًا منهجية تختلف عن الأخرى.

 وشدد على أن تخفيف المساقات مع تعليمها للأطفال وجاهيًا أفضل من تعليمها كلها إلكترونيًا، لأن انقطاع الطلبة عن التعليم معناه أن يكون هذا الجيل بلا تعليم، وهذا ما يرغبه الاحتلال بأن يخلق جيلًا جاهلًا يسهل تطويعه للأهداف "الإسرائيلية".

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر