خاص / شهاب
بعد أسبوع على عودة التعليم الوجاهي إلى قطاع غزة، لم تعد المشكلة في فتح أبواب المدارس وبدء الدراسة، وإنما في قدرة هذه المدارس والمساحات التعليمية المؤقتة على الاستمرار في استقبال الطلاب، في ظل نقص المقاعد والأثاث والكتب والقرطاسية، واكتظاظ الفصول والخيام بأعداد تفوق قدرتها الاستيعابية.
على الرمل أو الأرض
وتكشف وزارة التربية والتعليم العالي أن أزمة التعليم بدأت تظهر بشكل واضح داخل الفصول مع استمرار الدراسة، إذ يضطر 3 إلى 4 طلاب إلى الجلوس على مقعد دراسي مخصص أصلاً لطالبين، فيما يجلس طلاب آخرون على الرمل أو الأرض، بينما يضطر بعضهم إلى الوقوف طوال الحصة لعدم وجود مقاعد ومساحات كافية.
وبحسب الوزارة، فإن الاكتظاظ لا يقتصر على المدارس، بل يمتد إلى الخيام والمساحات التعليمية المؤقتة التي أقيمت لاستيعاب الطلاب بعد الدمار الواسع الذي أصاب المباني التعليمية، ما يجعل العملية التعليمية تسير في ظروف صعبة لا تتوفر فيها مقومات المدرسة الطبيعية.
ولا تتوقف المشكلة عند المقاعد، إذ تقول الوزارة إن عدداً من الخيام التعليمية أصبح متهالكاً ويفتقر إلى وسائل الحماية الكافية، في وقت تزداد فيه المخاوف من تأثرها بالأمطار مع اقتراب موسم الشتاء، الأمر الذي يهدد استمرار الدراسة في هذه المساحات التي أصبحت بديلاً اضطرارياً عن المدارس.
وفي مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، كان الطلاب قد عادوا إلى مدارسهم في 19 سبتمبر/أيلول، واصطفوا في الطابور الصباحي، لكن بعضهم وجد نفسه داخل الفصل على الأرض بسبب عدم توفر عدد كافٍ من المقاعد.
وتكشف شهادات عدد من المعلمين عن حجم النقص الذي تواجهه المدارس مع استمرار التعليم الوجاهي، إذ يؤكدون أن أعداداً من الطلاب يضطرون إلى الجلوس على الأرض داخل الفصول بسبب عدم توفر مقاعد كافية، فيما يواجه المعلمون صعوبة في إدارة حصصهم في ظل الاكتظاظ ونقص المستلزمات التعليمية الأساسية.
ويقول المعلم جمال أبو حديد إن العودة إلى الدراسة تتم في ظروف تفتقر إلى أبسط المستلزمات التعليمية، مضيفاً: "بعد الحرب، نفتقد الكثير من الأشياء التي كان يجب أن تكون متوفرة لدينا. نحتاج إلى المقاعد الدراسية والقرطاسية والكتب المدرسية، ونحن في أمس الحاجة إليها حتى نستطيع تعويض الفاقد التعليمي الذي تسببت فيه الحرب وانقطاع الطلاب عن التعليم".
سد الفجوة
وبذلك، يجد المعلمون أنفسهم أمام مهمتين في وقت واحد: مواصلة التدريس في ظروف استثنائية، ومحاولة تعويض سنوات الانقطاع التعليمي، بينما لا تتوفر داخل كثير من الفصول الأدوات الأساسية التي يحتاجها المعلم والطالب.
وتأتي هذه الأزمة بعد انقطاع طويل عن التعليم النظامي. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، حُرم نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً من التعليم النظامي الوجاهي لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية.
وتقول "يونيسف" أيضاً إن نحو 98% من مباني المدارس تعرضت لأضرار، بينما تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل واسعة أو إعادة بناء كاملة، في حين تعرض نحو 81% منها لضربات مباشرة.
وبحسب المنظمة، كان نحو 420 ألف طفل محرومين من أي وصول إلى التعليم الوجاهي عند صدور تقييمها، في وقت لا تزال فيه أعداد كبيرة من الأطفال تحاول العودة إلى الدراسة عبر مدارس مؤقتة وخيام ومساحات تعليمية جرى تجهيزها على عجل.
وهذه الأرقام تفسر جانباً من الاكتظاظ الذي تشهده المدارس حالياً؛ فالأعداد الكبيرة من الطلاب تعود إلى التعليم بعد سنوات من الغياب، بينما لم تعد المباني التعليمية التي كانت تستوعبهم قبل الحرب قادرة على أداء دورها بالطاقة نفسها.
وفي محاولة لسد جزء من الفجوة، بدأ شركاء قطاع التعليم في إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة في مناطق مختلفة من القطاع.
وكشف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أن 22 شريكاً ضمن مجموعة التعليم كانوا يديرون 359 مساحة تعليم مؤقتة في أنحاء قطاع غزة حتى نهاية أغسطس/آب.
وبحسب "أوتشا"، تسلمت هذه المساحات 155 ألفاً و711 حقيبة مدرسية للطلاب من الصف الثالث فما فوق، إلى جانب 1086 حزمة تعليمية من برنامج "المدرسة في صندوق" ومواد مخصصة لتنمية الطفولة المبكرة.
لكن ما وفرته المنظمات لا يزال جزءاً من احتياجات قطاع التعليم، في ظل حجم الدمار والأعداد الكبيرة من الأطفال الذين عادوا إلى الدراسة.
وتقول "يونيسف" إن فرقها تمكنت من الوصول إلى أكثر من 265 ألف طفل عبر 173 مركزاً للتعلم في أنحاء قطاع غزة، وقدمت لهم خدمات تعليمية ودعماً نفسياً واجتماعياً.
هذه المراكز ساعدت في إعادة آلاف الأطفال إلى مسار التعليم، لكنها في الوقت نفسه تعكس واقعاً جديداً فرضته الحرب؛ فبدلاً من المدارس المجهزة، يتلقى الأطفال دروسهم في خيام أو مساحات مؤقتة، وبعضهم يجلس على الأرض أو يتشارك المقعد مع أكثر من طالب.
ولا تبقى آثار نقص مقومات التعليم داخل المدرسة وحدها، بل تصل إلى الأسر التي تجد نفسها مطالبة بتوفير الكتب والقرطاسية والملابس والمستلزمات الأساسية في ظروف اقتصادية صعبة.
وتنقل"شهاب" عن عائلات وطلاب أن المستلزمات المدرسية أصبحت أكثر كلفة، فيما يواجه كثير من الأهالي صعوبة في تأمين أبسط احتياجات أبنائهم مع ارتفاع الأسعار ونقص بعض المواد.
وفي المقابل، يجد المعلم نفسه أمام صف مزدحم ومساحة محدودة وأدوات تعليمية ناقصة، بينما تحاول الوزارة زيادة عدد النقاط التعليمية والمساحات المتاحة لاستيعاب الطلاب.
وفي مخيم الشاطىء للاجئين، تقول رجاء فروانة، التي اصطحبت طفلها إلى المدرسة، إن أبناءها يستيقظوا منذ ساعات الفجر للذهاب الى المدرسة دون أدني استعداد طبيعي للذهاب الى المدرسة فلا زي جديد ولا قرطاسية ولا طعام جيد، أنهم لا يعرفون معنى المدرسة ولا الطابور الصباحي ولا الحياة الطبيعية.
وتوضح أن ابنها كان في الثالثة من عمره عند اندلاع الحرب، بينما يبلغ الآن السادسة ويدخل الصف الأول الابتدائي، مشيرة إلى أن الأسرة كانت ترسله إلى مدرس خاص للمتابعة، لكن ذلك لم يكن بديلاً عن المدرسة.
أول احتكاك
وتكشف هذه الشهادة جانباً آخر من أزمة التعليم؛ فهناك أطفال لم ينقطعوا عن المدرسة لسنوات فقط، بل دخل بعضهم سن الدراسة في ظل الحرب، وأصبح أول احتكاك لهم بالحياة المدرسية يتم داخل خيمة أو مدرسة متضررة أو مساحة تعليم مؤقتة.
وتقول وزارة التربية والتعليم العالي إن الظروف الحالية تتطلب تدخلاً عاجلاً من المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والجهات الداعمة، ليس فقط لتمويل التعليم، وإنما لتوفير الأماكن والمقاعد والأثاث والمستلزمات التي يحتاجها الطلاب لمواصلة التعليم الوجاهي.
وبحسب الوزارة، فإن الحلول متوفرة، لكنها تحتاج إلى تضافر الجهود، وفي مقدمتها توفير دعم شامل للتعليم مالياً ولوجستياً، وإنشاء مبانٍ جديدة أو خيام إضافية، ورفد المدارس بالمقاعد والأثاث المدرسي.
كما تطالب الوزارة بإخلاء المدارس التي لا تزال تستخدم لإيواء النازحين، ونقلهم إلى أماكن إيواء لائقة، حتى تتمكن المدارس من استعادة وظيفتها الأساسية وفتح مزيد من المساحات أمام الطلاب.
وكانت الوزارة قد أعلنت، قبل بدء العام الدراسي، أنها تعمل على إنشاء مدارس وخيام تعليمية جديدة، وصيانة الخيام القائمة، وإعادة بعض المدارس التي كانت تستخدم كمراكز إيواء إلى العملية التعليمية. كما أوضحت أن بعض المقاعد يجري تصنيعها من أخشاب صناديق المساعدات، في ظل عدم توفر الأخشاب والحديد ومنع إدخالهما عبر المعابر. (المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي، 18 سبتمبر/أيلول 2026).
فالوزارة مطالبة باستيعاب أعداد كبيرة من الطلاب، والمدارس تعمل في مبانٍ متضررة أو في مساحات مؤقتة، والمعلمون يدرّسون داخل فصول مكتظة وخيام تفتقر إلى التجهيزات، فيما يحاول الأهالي تأمين مستلزمات أبنائهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
وتكشف بيانات "أوتشا" و"يونيسف" حجم الفجوة بين عدد الأطفال المحتاجين إلى التعليم وبين الإمكانات المتاحة، فيما تؤكد وزارة التربية والتعليم العالي أن استمرار التعليم الوجاهي يحتاج إلى مساحات إضافية ومقاعد وأثاث ومستلزمات أساسية.
وفي الميدان، يبقى الطالب هو الطرف الذي يدفع ثمن هذه الفجوة؛ يجلس على الأرض حين لا يجد مقعداً، ويتشارك المقعد حين يزدحم الفصل، ويدرس داخل الخيمة حين لا تكون المدرسة قائمة، فيما يحاول المعلم أن يواصل حصته وسط كل ذلك.
وبعد أسبوع واحد فإن أزمة التعليم في غزة لم تعد أزمة افتتاح مدارس وجاهية ، وإنما أزمة توفير الحد الأدنى الذي يجعل التعليم الوجاهي قابلاً للاستمرار؛ وهي أزمة تضع الوزارة والمدارس والمعلمين والأهالي أمام احتياجات لا يمكن تأجيلها إلى حين إعادة إعمار القطاع.
