من القتل إلى التسميم والسرقة

تقرير لماذا أصبحت الأغنام الضفة في مرمى رصاص الاحتلال؟.. القصة الكاملة

خاص / شهاب

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح الأحد، المزارع الفلسطيني محمود طميزة وقطيع أغنامه بالرصاص الحي أثناء رعيه في منطقة وادي البيضاء غرب بلدة إذنا جنوب الخليل، ما أدى إلى نفوق ثلاثة رؤوس وإصابة عدد آخر منها.

وأفادت مصادر إخبارية وشهود عيان، بأن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص بشكل عشوائي صوب الراعي "طميزة" أثناء رعيه ماشيته بالقرب من جدار الفصل والتوسع العنصري، ما أدى إلى نفوق ثلاثة رؤوس وإصابة أخرى بجروح.

ولم تكن أغنام "طميزة" أول قطيع يتعرض للاعتداء في الضفة الغربية خلال العام الجاري، إذ تكررت خلال الأشهر الماضية حوادث قتل وسرقة وتسميم المواشي، إلى جانب الاعتداء على الرعاة ومنعهم من الوصول إلى مناطق الرعي.

23 شاة مسمومة

ففي مطلع أغسطس/آب، عثر مزارع في بلدة عصيرة الشمالية شمال نابلس على 23 شاة مسمومة، لم تنجُ منها سوى خمس رؤوس، في حادثة جاءت بعد محاولات سابقة لسرقة أغنامه.

ويقول المواطن معاذ سوالمة، صاحب القطيع، إنه فوجئ عند وصوله إلى مزرعته ليطعم أغنامه ويرعاها، بوجود 23 شاة ملقاة على الأرض، فيما لم تبقَ على قيد الحياة سوى خمس منها.

ويضيف سوالمة أن ما حدث لم يكن خسارة عابرة، موضحًا: "هذه الأغنام لم تكن وليدة صدفة، أو ابتعناها خلال يوم أو يومين، هذا تعب 3 أو 4 سنوات. لم نغادر الموقع إلا لساعتين، وفجأة وجدناه هكذا؛ الأغنام ملقاة على الأرض، واحدة تلو أخرى. والله بعزوا علينا كثير".

وأوضح أن معظم الأغنام التي نفقت كانت حوامل، وهو ما اكتشفه الطبيب البيطري بعد تشريحها لمعرفة سبب النفوق، معتبرًا أن الخسارة لم تقتصر على رؤوس الأغنام التي نفقت، وإنما شملت ما كانت تحمله من مواليد.

ويخشى سوالمة من تكرار ما حدث مع جيرانه، داعيًا المواطنين إلى الحذر وحراسة ممتلكاتهم، ومؤكدًا تمسكه بالبقاء في أرضه، قائلًا: "المستوطنون يريدون اقتلاعنا من المكان، ونحن نقول لهم سنظل صامدين هنا، وسنقوم برعاية ما تبقى من الأغنام، ولن نرحل إلا إلى قبورنا، حيث الموت الأخير".

وقبل ذلك، في مايو/أيار، اقتحم مستوطنون حظيرة مواشٍ في خربة هريبة النبي بمسافر يطا، وسرقوا نحو 45 إلى 50 رأسًا من الأغنام، وفق ما أفاد به صاحبها محمد أبو علي.

وفي الشهر نفسه، حاول مستوطنون سرقة عشرات رؤوس الأغنام من خربة رجوم العلي في مسافر يطا، قبل أن يتمكن الأهالي من استعادة القطيع، وفق رئيس بلدية خلة المية مجدي العدرة.

وفي أبريل/نيسان، وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية سرقة مستوطنين خمسة أغنام وخزان مياه زراعي من قرية قصرة جنوب نابلس، كما سجل سرقة ما لا يقل عن عشرة أغنام ومواشٍ أخرى من حظيرة في يبرود شرق رام الله.

أما في مارس/آذار، فتعرض راعي الأغنام عثمان مسلم احريزات لاعتداء في خربة أمينيزِل بمسافر يطا، بعدما رشقه مستوطنون بالغاز، قبل أن يسرقوا ثلاثة رؤوس من مواشيه، إضافة إلى هاتفه.

اعتداءات شبه يومية

ولا تقتصر هذه الوقائع على روايات الأهالي، إذ وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تزايد الاعتداءات على المجتمعات الرعوية في الضفة الغربية.

وفي عصيرة الشمالية، لا تبدو حادثة تسميم أغنام سوالمة منفصلة عن سلسلة اعتداءات يقول رئيس البلدية ناصر جوابرة إنها أصبحت متكررة ولا تتوقف.

ويؤكد جوابرة أن الانتهاكات في البلدة تعددت بين محاولات سرقة المواشي وتهديد المواطنين ورعاة الأغنام، إلى جانب منعهم من الوصول إلى مناطق الرعي في سفح جبل عيبال، مشيرًا إلى أن هذه الاعتداءات تأتي في سياق الضغط على الرعاة لإبعادهم عن المنطقة.

وأوضح أن المستوطنين يسعون، من خلال منع الرعاة من الوصول إلى مناطق الرعي، إلى جعل المنطقة خالية منهم ومن المزارعين، بما يسهل السيطرة عليها.

واتهم جوابرة الشرطة الإسرائيلية بأنها جزء من "المؤامرة" على المواطن الفلسطيني، في ظل استمرار اعتداءات المستوطنين على المواطنين وممتلكاتهم ، مءكداً إن الفلسطيني سيظل متجذرًا في أرضه وثابتًا فيها ولن يرحل عنها، داعيًا إلى الوحدة الوطنية بين الفلسطينيين لإفشال مخططات الاحتلال وتعزيز الصمود في الأرض.

وفي السياق قال المكتب الأممي في تقرير له خلال يونيو/حزيران، إن تجمعات رعوية تعرضت لحوادث شبه يومية عقب إقامة بؤرة استيطانية جديدة قرب تجمعي دار فزعة، وشملت الاعتداءات التوغل في المناطق السكنية، وملاحقة السكان وترهيبهم، والاعتداء الجسدي، وتخريب الممتلكات، وفرض قيود على الحركة والوصول إلى مناطق الرعي.

كما وثق المكتب تدمير ومصادرة ممتلكات مرتبطة بمصادر رزق السكان، بينها أعلاف المواشي، إلى جانب إطلاق مستوطنين مواشيهم للرعي داخل المناطق السكنية والأراضي الزراعية الفلسطينية.

وفي تقرير آخر، أشار المكتب الأممي إلى تصاعد هجمات المستوطنين على المجتمعات الريفية والرعوية، خصوصًا في منطقة الأغوار، مؤكدًا أن الاعتداءات على الأراضي الزراعية ومصادر المياه ومناطق الرعي تؤثر مباشرة على قدرة السكان على الاستمرار في حياتهم ومصادر رزقهم.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة حتى منتصف يوليو/تموز، تجاوز عدد هجمات المستوطنين التي أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية 1260 حادثة منذ بداية عام 2026، بمعدل يقارب ستة حوادث يوميًا في مختلف أنحاء الضفة الغربية.

وتكتسب الاعتداءات على الأغنام خطورتها من كون المواشي مصدر الدخل الرئيسي للعديد من العائلات الرعوية في الضفة، خاصة في مسافر يطا والأغوار.

فخسارة القطيع تعني خسارة مصدر رزق الأسرة، بينما يؤدي منع الرعاة من الوصول إلى المراعي إلى زيادة كلفة تربية المواشي، مع اضطرارهم إلى شراء الأعلاف بدل الاعتماد على الأراضي التي اعتادوا رعي قطعانهم فيها.

مجمل مقومات الحياة

وفي يناير/كانون الثاني، وثق مكتب الأمم المتحدة اعتداءات لمستوطنين مسلحين على رعاة فلسطينيين في مسافر يطا، شملت تهديدهم والاعتداء عليهم، قبل أن تشهد المنطقة بعد أيام هجمات أخرى استهدفت تجمعات رعوية، تخلل بعضها الاستيلاء على مئات رؤوس الأغنام وتخريب ممتلكات الفلسطينيين.

وفي مارس/آذار، تحدثت تقارير عن الاستيلاء على مئات رؤوس الأغنام في منطقة حمصة بالأغوار الشمالية، ضمن اعتداءات متكررة على التجمعات الرعوية في المنطقة.

ولا تتوقف الخسائر عند المواشي؛ إذ تطال الاعتداءات أيضًا الحظائر ومصادر المياه والأعلاف والمساكن، ما يزيد الضغط على العائلات التي تعتمد على الرعي في معيشتها.

وفي يوليو/تموز، وثق مكتب الأمم المتحدة هدم أو تضرر منشآت في تجمعات رعوية، بينها حظائر للمواشي وخزانات مياه ومساكن، في وقت تواجه فيه هذه التجمعات قيودًا متزايدة على الوصول إلى مناطق الرعي.

ومع تكرار الاعتداءات، أصبح الرعي في مناطق واسعة من الضفة محفوفًا بالمخاطر، واضطر رعاة إلى تغيير مساراتهم وتجنب مناطق كانوا يستخدمونها بصورة طبيعية خشية التعرض للمستوطنين أو قوات الاحتلال.

وفي المقابل، فإن إبقاء الأغنام داخل الحظائر لا يمثل حلًا دائمًا، بسبب ارتفاع كلفة الأعلاف والحاجة إلى المياه، فضلًا عن تعرض الحظائر نفسها للهدم أو التخريب.

وتكشف الوقائع التي وثقتها مصادر فلسطينية ودولية خلال الأشهر الماضية أن الاعتداءات لا تقتصر على الرعاة، ولا على المواشي وحدها، وإنما تطال مجمل مقومات الحياة الرعوية: الراعي، والقطيع، والمراعي، والمياه، والحظيرة ومصدر الرزق.

ومن رصاص الاحتلال الذي قتل ثلاثة من أغنام محمود عبد الرحمن طميزة في إذنا صباح اليوم، إلى تسميم الأغنام في نابلس، وسرقة القطعان في مسافر يطا والأغوار، وملاحقة الرعاة وهدم حظائر المواشي، تتكرر الوقائع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.

ومع توثيق مكتب الأمم المتحدة لحوادث شبه يومية ضد تجمعات رعوية، لا تبدو هذه الاعتداءات مجرد حوادث منفصلة، بل جزءًا من ضغط متواصل يدفع الرعاة بعيدًا عن المراعي ويضرب مصدر رزقهم، فيما تتحول الأغنام نفسها إلى ضحايا مباشرة لهذا الواقع.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر