في خطوة تعكس اتساع الخلاف بين حكومة الاحتلال وعدد من الدول الأوروبية، قررت "إسرائيل" طرد ممثلي هولندا من مركز التنسيق المدني-العسكري في كريات غات، على خلفية إجراءات اتخذتها أمستردام ضد منتجات المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في وقت تتولى فيه هولندا دورًا داخل آلية دولية معنية بملف قطاع غزة.
وأعلن وزير الخارجية في حكومة الاحتلال جدعون ساعر، الثلاثاء، أن ممثلي هولندا سيغادرون المركز خلال أسبوع، موضحًا أن القرار اتُخذ بموافقة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. وأبلغت "إسرائيل" السفارة الهولندية والولايات المتحدة بالقرار، في خطوة حملت رسالة سياسية مباشرة إلى أمستردام، مفادها أن الإجراءات التي تتخذها ضد سياسات الاحتلال لن تمر من دون رد.
إجراءات أكثر صرامة
وجاء القرار بعد إقرار الحكومة الهولندية إجراءً يحظر التجارة في السلع القادمة من المستوطنات المقامة في الأراضي التي تحتلها "إسرائيل"، على أن يبدأ تطبيقه في 22 سبتمبر/أيلول المقبل. ولا يقتصر الإجراء على منع الاستيراد، بل يمتد إلى شراء هذه المنتجات وبيعها وتقديم خدمات الوساطة المتعلقة بها، مع فرض عقوبات على المخالفين قد تصل في الحالات العمدية إلى السجن ست سنوات.
ويستهدف القرار الهولندي المنتجات القادمة من المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية وهضبة الجولان السورية المحتلة، ولا يشمل جميع المنتجات المصنّعة داخل "إسرائيل"، وهو ما يجعله إجراءً محددًا يستهدف النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات، وليس مقاطعة شاملة للاقتصاد الإسرائيلي.
وتكتسب الخطوة الهولندية أهمية تتجاوز حجم التبادل التجاري المباشر، إذ جاءت في وقت يتعثر فيه الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى موقف موحد بشأن التعامل الاقتصادي مع منتجات المستوطنات. وبينما دعت دول أوروبية إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، حالت الخلافات داخل الاتحاد، ولا سيما مواقف دول مثل ألمانيا وإيطاليا، دون تبني إجراء أوروبي مشترك.
ومع انسداد المسار الأوروبي، اختارت هولندا المضي في إجراء وطني منفرد، وهو ما يزيد من حساسية القرار لدى حكومة الاحتلال، خشية أن يتحول إلى نموذج تتبعه دول أوروبية أخرى، فتنتقل قضية المستوطنات من نطاق الإدانات السياسية والمواقف الدبلوماسية إلى إجراءات اقتصادية ملموسة.
ويأتي ذلك في ظل تصاعد الانتقادات الأوروبية لسياسات "إسرائيل" في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما التوسع الاستيطاني، فيما تحاول حكومات أوروبية الموازنة بين علاقاتها السياسية والاقتصادية مع تل أبيب وبين الضغوط الداخلية والدولية المتزايدة بشأن الحرب على قطاع غزة والانتهاكات المرتبطة بالاحتلال.
وفي هذا السياق، اختارت حكومة الاحتلال الرد على هولندا من خلال مركز التنسيق المدني-العسكري في كريات غات، وهو مركز تقوده الولايات المتحدة ويضم ممثلين عن دول ومنظمات دولية للمشاركة في تنسيق الملفات المرتبطة بقطاع غزة.
ويؤدي المركز دورًا في متابعة ترتيبات وقف إطلاق النار، وتنسيق إدخال المساعدات إلى القطاع، ومناقشة الملفات المتعلقة بالمرحلة المقبلة، بما في ذلك إعادة الإعمار والترتيبات الدولية المرتبطة بإدارة الوضع في غزة. وتشارك فيه عدة دول غربية إلى جانب جهات دولية أخرى.
غزة كساحة للرد
ومن هنا تكتسب خطوة طرد الممثلين الهولنديين دلالة تتجاوز الخلاف التجاري حول منتجات المستوطنات، إذ جرى استخدام آلية دولية مرتبطة بملف غزة كساحة للرد على موقف سياسي واقتصادي هولندي يتعلق بالضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان.
وتبدو المفارقة واضحة في أن هولندا كانت تشارك داخل مركز يفترض أن ينسق الجهود الإنسانية المتعلقة بغزة، بينما جاء قرار إخراج ممثليها من المركز بسبب موقف اتخذته حكومتها تجاه المستوطنات في الأراضي المحتلة. وبذلك تتداخل في خطوة واحدة ملفات الحرب على غزة، والاستيطان، والمساعدات، وإعادة الإعمار، والعلاقات بين "إسرائيل" والدول الأوروبية.
وحاول ساعر تقديم القرار باعتباره ردًا على ما وصفه بـ"السياسة المعادية لإسرائيل" التي تتبعها الحكومة الهولندية، محذرًا من أن "إسرائيل" سترد على الإجراءات التي تعتبرها موجهة ضدها. غير أن الموقف الهولندي يشير إلى اتجاه مختلف، إذ أكدت أمستردام تمسكها بإجراءاتها المتعلقة بمنتجات المستوطنات، مع استمرارها في المشاركة في الجهود الإنسانية والسياسية الخاصة بغزة.
وفي هذا الإطار، قال وزير الخارجية الهولندي كاسبر فيلدكامب إن بلاده لا ترى سببًا يدعو إلى إخراج ممثليها من المركز، مؤكدًا استمرار الحاجة إلى المساعدات في غزة، ورغبة بلاده في مواصلة العمل مع الأطراف المعنية لتنفيذ الترتيبات الخاصة بالقطاع، في الوقت الذي لم يبدِ فيه استعدادًا للتراجع عن القرار المتعلق بمنتجات المستوطنات.
ويكشف هذا الموقف عن محاولة هولندية للفصل بين مسارين؛ الأول يتعلق بموقفها من الاستيطان والتجارة المرتبطة به، والثاني يتعلق بدورها في الجهود الدولية الخاصة بغزة. بينما دفعت "إسرائيل" بالمسارين إلى نقطة واحدة، باستخدام عضوية هولندا في مركز التنسيق كورقة ضغط للرد على الإجراءات الهولندية.
ولا تبدو المخاوف الإسرائيلية مرتبطة بالأثر الاقتصادي المباشر للحظر الهولندي فقط، فحجم التجارة المرتبطة بالمستوطنات يظل محدودًا مقارنة بإجمالي التجارة بين هولندا و"إسرائيل". لكن الأهمية السياسية تكمن في إمكانية انتقال الإجراء إلى دول أوروبية أخرى، خصوصًا في ظل استمرار النقاش داخل الاتحاد الأوروبي حول فرض قيود على منتجات المستوطنات.
وتحتل هولندا موقعًا مهمًا في تجارة المنتجات الزراعية القادمة من المستوطنات إلى الأسواق الأوروبية، ما يمنح الإجراء الهولندي وزنًا يتجاوز السوق المحلية، خصوصًا إذا أدى تطبيقه إلى تشديد الرقابة على سلاسل التوريد أو الحد من قدرة الشركات على إدخال هذه المنتجات إلى السوق الأوروبية عبر الأراضي الهولندية.
توتر متزايد
وفي الوقت نفسه، يأتي التصعيد في مرحلة حساسة من ترتيبات ما بعد الحرب على غزة، حيث تعمل الولايات المتحدة على بناء آليات دولية للتنسيق بشأن وقف إطلاق النار والمساعدات وإعادة الإعمار، مع مشاركة دول أوروبية في هذه الترتيبات. ولذلك فإن إخراج ممثلي دولة مشاركة من هذه الآلية يضيف بعدًا جديدًا إلى الخلاف بين "إسرائيل" وأوروبا.
وبحسب مراقبون فلسطنينون، لا يمكن فصل هذا التصعيد عن التحولات التي طرأت على الموقف الأوروبي تجاه سياسات الاحتلال خلال الحرب على غزة. فمع استمرار العمليات العسكرية والأزمة الإنسانية في القطاع، وامتداد التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، باتت بعض الحكومات الأوروبية تواجه ضغوطًا متزايدة لتحويل مواقفها السياسية والقانونية إلى إجراءات عملية.
ويأتي القرار الهولندي في هذا السياق باعتباره محاولة للضغط اقتصاديًا على النشاط المرتبط بالمستوطنات، التي يقيمها الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما تعكس الاستجابة الإسرائيلية خشية من أن تتوسع هذه الإجراءات وتتحول إلى مسار أوروبي أوسع.
وبذلك لم يعد الخلاف بين أمستردام وتل أبيب محصورًا في ملف تجاري، بل امتد إلى ترتيبات دولية مرتبطة مباشرة بغزة. وفي الوقت الذي تتمسك فيه هولندا بقرارها تجاه منتجات المستوطنات، تستخدم "إسرائيل" وجودها داخل مركز التنسيق المدني-العسكري للضغط عليها، بما يعكس حجم التوتر المتزايد بين حكومة الاحتلال وعدد من العواصم الأوروبية.
وتكشف هذه المواجهة عن مسار أوسع يتشكل تدريجيًا في العلاقة بين أوروبا و"إسرائيل"، حيث لم تعد قضية الاستيطان منفصلة عن الحرب على غزة أو عن مستقبل القطاع، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول المسؤولية الدولية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحدود العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دولة تواصل احتلالها للأراضي الفلسطينية وتوسيع مستوطناتها فيها.
