خاص - شهاب
في تصعيد جديد يضاف إلى سجل استهداف المدنيين في قطاع غزة، ارتكب جيش الاحتلال "الإسرائيلي"، اليوم الثلاثاء، مجزرة بحق مواطنين على شاطئ بحر غزة، أسفرت، وفق حصيلة أولية لوزارة الصحة في غزة، عن استشهاد 6 مواطنين وإصابة 14 آخرين، وسط توقعات بارتفاع عدد الشهداء والمصابين.
ويرى الخبير في الشأن "الإسرائيلي" د. مأمون أبو عامر أن ما جرى يمثل ترجمة ميدانية للموقف "الإسرائيلي" وما يسمى بـ"مجلس السلام" الذي يصرّ على منح الاحتلال ما يسميه "حق الدفاع عن النفس"، موضحًا أن مفهوم "الدفاع عن النفس" لدى حكومة بنيامين نتنياهو يتحول عمليًا إلى مواصلة القصف والجرائم داخل قطاع غزة، حتى في ظل الحديث عن ترتيبات وخطط لخفض التصعيد.
وقال أبو عامر لوكالة (شهاب) إن التقديرات كانت تشير إلى إمكانية حدوث انخفاض في مستوى الاستهدافات، وليس توقفها بصورة كاملة، حتى في حال قبول نتنياهو بالخطة المطروحة، إلا أن ما جرى اليوم يعكس تصعيدًا خطيرًا يؤكد أن الاحتلال لم يغيّر نهجه الميداني.
وأضاف أن الاحتلال سيقدم، كعادته، مبررات أمنية للعملية، من بينها الادعاء بأن مجموعة كانت تخطط لاستهداف قوات جيش الاحتلال، معتبرًا أن مثل هذه الروايات تشكل "غطاءً سياسيًا" لتبرير استهداف المدنيين والعمليات العسكرية أمام الرأي العام "الإسرائيلي" والدولي.
ويضع أبو عامر ما جرى في سياق أوسع يتعلق بعلاقة حكومة نتنياهو بالإدارة الأميركية، معتبرًا أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" يسعى إلى استثمار التطورات الميدانية لإيصال رسالة مفادها أنه قادر على اتخاذ قراراته العسكرية وفق حساباته السياسية والأمنية، حتى عندما لا تتطابق بالكامل مع الرؤية الأميركية.
ويرى أن الإدارة الأميركية قد تكون منحت نتنياهو هامشًا للمناورة في إطار ترتيبات تهدف إلى تحديد طبيعة التهديدات وآليات التعامل معها، إلا أن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" يسعى إلى فرض وقائع ميدانية تتناسب مع أجندته الخاصة.
ويقول أبو عامر إن الرسالة التي يحاول نتنياهو توجيهها لا تقتصر على واشنطن، وإنما تمتد أيضًا إلى الجمهور "الإسرائيلي"، إذ يسعى إلى تكريس صورة "القائد القوي" القادر على اتخاذ قرارات الحرب والأمن، وتقديم نفسه باعتباره الشخص الذي يضمن أمن المستوطنين عبر القوة العسكرية.
ويشير الخبير إلى أن تزامن التصعيد في غزة مع التحركات العسكرية "الإسرائيلية" على جبهات أخرى، ومنها سوريا، يعكس نمطًا سياسيًا لدى نتنياهو يقوم على إبقاء "إسرائيل" في حالة اشتباك مستمر، بما يعزز صورته أمام المجتمع "الإسرائيلي" بوصفه قائدًا يخوض "حروبًا من أجل الأمن".
ولا يرى أبو عامر أن اختيار شاطئ البحر كموقع للاستهداف أمر عابر، معتبرًا أن للمكان دلالة رمزية وسياسية تتجاوز الهدف المباشر للعملية.
ويقول إن استهداف المواطنين في منطقة يُفترض أن تكون مساحة للحياة واللجوء بعيدًا عن ساحات القتال يبعث، في تقديره، برسالة إلى الفلسطينيين مفادها أن "الخوف سيستمر، والقتل والتدمير سيستمران، ولا حرمة ولا حدود ولا أمان للفلسطيني في أي مكان في قطاع غزة".
ويضيف أن هذه السياسة، بحسب قراءته، تندرج ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ودفعه إلى الشعور بأن البقاء في القطاع بات مستحيلًا، وبالتالي التفكير في الرحيل عن أرضه.
ويشير أبو عامر إلى أنه لو كان الهدف العسكري، كما يعلن الاحتلال، هو استهداف أشخاص محددين، لكان بالإمكان انتظار خروجهم أو استخدام وسائل أكثر تحديدًا، بدل تنفيذ استهداف في منطقة يتجمع فيها مدنيون.
ويبين أن الهدف لا يقتصر على القتل المباشر، وإنما يشمل أيضًا صناعة حالة من الرعب العام، وإيصال رسالة إلى سكان القطاع بأنهم لا يستطيعون العثور على مكان آمن، بما ينسجم مع سياسة إنهاك المجتمع الفلسطيني وسحق قدرته على الصمود.
ورغم احتمال أن تشهد المرحلة المقبلة انخفاضًا نسبيًا في وتيرة الاستهدافات، يحذر أبو عامر من اعتبار ذلك تحولًا جوهريًا في السياسة "الإسرائيلية".
ويقول إن الفلسطينيين يجب أن يبقوا مستعدين لسماع أخبار مشابهة في أي لحظة، خصوصًا عندما يرى نتنياهو أن الظروف السياسية تسمح بتنفيذ أهدافه، مشيرًا إلى أن بعض العمليات قد لا تكون مرتبطة بالضرورة بتهديد أمني مباشر، وإنما قد تُستخدم أيضًا لأغراض سياسية ودعائية.
ويخلص الخبير في الشأن "الإسرائيلي" إلى أن الرغبات والحسابات السياسية لنتنياهو تبدو، في المرحلة الراهنة، أكثر تأثيرًا في إدارة المشهد من الاعتبارات الأمنية التي يعلنها لتبرير سياساته، معتبرًا أن استمرار الاستهدافات يؤكد أن قبول "إسرائيل" بأي ترتيبات سياسية أو ميدانية لا يعني بالضرورة توقف عملياتها العسكرية ضد قطاع غزة.
وكانت وزارة الصحة في غزة قد أفادت، في إحصائية أولية، بوصول 6 شهداء و14 إصابة إلى مجمع الشفاء الطبي، جراء استهداف الاحتلال المواطنين على شاطئ بحر غزة، مؤكدة أن الجريمة تأتي في إطار استمرار استهداف المدنيين وارتكاب المجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني.
