بعد اعترافات العميل "م. م"

خاص خبير أمني يكشف لـ شهاب: كيف يجمع الاحتلال المعلومات الصغيرة لصناعة بنك أهداف؟

جانب من مقطع اعترافات العميل م. م

خاص - شهاب

حذر الخبير في الشؤون الأمنية، رامي زبيدة، من خطورة ما يُعرف بـ "الاستدراج الإلكتروني" الذي يمارسه الاحتلال ضد أبناء شعبنا، مبينًا أن المعركة الاستخبارية "لا تبدأ دائماً بمعلومة كبيرة، أحياناً تبدأ بتفصيل صغير جداً لا يراه المواطن مهماً، لكنه قد يكون بالنسبة لمن يجمع المعلومات قطعة أخرى من لوحة أكبر".

وأوضح زبيدة في حديث خاص لوكالة (شهاب) للأنباء، تعقيبًا على اعترافات العميل "م. م" التي نشرتها منصة "الحارس" التابعة لأمن المقاومة في غزة، أن هذا الأسلوب يمكن تبسيطه بما يسمى "منهج الفسيفساء الاستخبارية"، إذ تتحول المعلومات الصغيرة والمتفرقة، بعد جمعها ومقارنتها وتحليلها، إلى صورة استخبارية متكاملة.

إقرأ أيضا.. بالفيديو| "الحارس" تنشر اعترافات العميل المتسبب باغتيال القائد عز الدين الحداد

وقال إن إحدى أخطر نقاط الضعف في البيئة الرقمية تتمثل في عدم إدراك المواطن لقيمة المعلومة التي يقدمها، فهو لا يرى الصورة الكاملة، بينما الطرف الذي يجمع المعلومات قد يمتلك معطيات أخرى تجعل للمعلومة البسيطة قيمة مختلفة تمامًا.

وأضاف أن مراحل متقدمة من التحليل يمكن أن تستخدم أدوات تقنية لمعالجة كميات كبيرة من البيانات، ومقارنة المعلومات الزمنية والجغرافية والسلوكية، بما يسمح ببناء تقديرات حول أنماط الحركة وتحديد التغيرات غير الاعتيادية في السلوك.

وبيّن أن المعلومة لا تنتقل من كونها "معلومة عادية" إلى "معلومة خطرة" بسبب طبيعتها فقط، وإنما بسبب السياق الذي توضع فيه والعلاقات التي تُبنى بينها وبين معلومات أخرى.

 أساليب رئيسية للاستدراج

وفيما يتعلق بكيفية حدوث الاستدراج، قال زبيدة إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بيئة مناسبة لمحاولات بناء الاتصال الأولي، خصوصًا مع انتشار الحسابات الوهمية والمجهولة، وإمكانية انتحال أسماء وصور وصفات رسمية أو إنسانية.

وأوضح أن الحساب المشبوه قد يظهر باعتباره موظفًا، أو جهة حكومية، أو مؤسسة إغاثية، أو شخصًا يبحث عن عامل، أو جهة تقدم مساعدة مالية، أو حتى شخصًا عاديًا يريد الحصول على معلومة بسيطة.

ولفت إلى أن من أخطر الأساليب استغلال الاحتياجات الإنسانية والمعيشية، إذ قد يُنشأ حساب أو نموذج إلكتروني ينتحل صفة مؤسسة إغاثية، ويطلب من المواطن إدخال بيانات بحجة التسجيل للحصول على مساعدة.

وأضاف أن العملية قد تبدأ بمعلومات طبيعية، ثم تتوسع تدريجيًا إلى أسئلة أكثر تفصيلًا عن مكان السكن، أو أفراد الأسرة، أو الحركة، أو طبيعة المنطقة.

وأكد أن المشكلة ليست في التسجيل للحصول على المساعدات بحد ذاته، وإنما في مصدر الطلب وطبيعة المعلومات المطلوبة وطريقة جمعها، داعيًا إلى التحقق من الجهة التي تقف خلف أي نموذج أو رابط، وعدم التعامل مع الحسابات المجهولة باعتبارها جهات رسمية لمجرد استخدامها شعارًا أو اسمًا معروفًا.

وأشار زبيدة إلى أسلوب آخر يتمثل في انتحال الصفات الرسمية أو الأمنية، من خلال استخدام اسم جهة رسمية أو أمنية، أو صورة شعار، أو اسم شخصية معروفة، ثم التواصل مع المواطن بحجة طلب معلومات أو التحقق من الهوية أو متابعة مشكلة أو المساعدة في حفظ الأمن.

وشدد على أن الصفة الرسمية لا تثبتها صورة الحساب أو الاسم المكتوب عليه، مؤكدًا أن التحقق يجب أن يتم عبر قناة رسمية مستقلة ومعروفة، وليس من خلال الوسيلة التي يستخدمها الحساب المشبوه لإثبات هويته.

وتطرق إلى عروض العمل والمهام المدفوعة، موضحًا أنها قد تبدأ بعرض يبدو طبيعيًا، مثل دفع مبلغ مالي مقابل تصوير مكان أو نقل شيء أو الحصول على معلومة أو تنفيذ مهمة محددة.

وحذر من أن المهمة قد تتطور تدريجيًا من نشاط يبدو بسيطًا إلى جمع معلومات عن مواقع أو أشخاص أو تحركات، بما يجعل المواطن جزءًا من عملية أكبر دون أن يدرك طبيعتها منذ البداية.

كما حذر من الجانب التقني للاستدراج، ولا سيما الروابط والملفات المشبوهة ومحاولات التصيد الإلكتروني، التي قد تستهدف دفع الشخص إلى الضغط على رابط أو تنزيل ملف أو مشاركة رمز تحقق أو منح صلاحيات غير ضرورية لتطبيق أو خدمة.

وأكد أن التعامل مع الروابط والملفات الواردة من حسابات مجهولة يجب أن يكون بحذر شديد، خصوصًا عندما تكون الرسالة مصحوبة بالضغط أو الإغراء المالي أو طلب السرية.

ماذا يفعل المواطن عند الاشتباه؟

 

وعن التصرف الصحيح عند التعرض لمحاولة استدراج، قال زبيدة إن السلوك الصحيح يبدأ بالقطع الهادئ والمنظم للتواصل، محذرًا من الدخول في سجال أو محاولة اختبار الطرف الآخر أو لعب دور المحقق لكشف هويته.

وأوضح أن إطالة الحوار تزيد كمية المعلومات التي يمكن للطرف الآخر جمعها عن شخصية المواطن وطريقة تفكيره واهتماماته وعلاقاته، مؤكدًا أن القاعدة الأولى هي عدم مواصلة الحوار بهدف اكتشاف هوية الطرف الآخر.

وشدد على ضرورة عدم تقديم أي معلومات إضافية، بما يشمل الصور أو الموقع أو تفاصيل الأسرة أو معلومات عن الآخرين أو تفاصيل تتعلق بالأماكن والتحركات.

ودعا في الوقت ذاته إلى الاحتفاظ بما هو موجود أصلًا من أدلة، مثل لقطات شاشة للمحادثة واسم الحساب والرسائل والروابط وأوقات التواصل وأي معلومات ظاهرة عن الحساب، مؤكدًا أن الاحتفاظ بالأدلة يختلف عن نشرها على مجموعات التواصل الاجتماعي.

وقال: "إذا كانت لديك شبهة، قدمها للجهة المختصة، ولا تحولها إلى اتهام علني"، مشددًا على أن الإبلاغ يجب أن يكون عبر قنوات منظمة، من خلال الجهات الأمنية أو المختصة والقنوات الرسمية والموثوقة المتاحة.

وأكد أهمية تقديم الأدلة كما هي، دون تعديل أو اجتزاء أو إضافة اتهامات شخصية، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة ألا يتحول الوعي الأمني إلى حالة من الهلع أو الشك في كل من حولنا.

وأوضح أن المطلوب ليس أن يتوقف المواطن عن استخدام الإنترنت أو طلب المساعدة أو التواصل مع الآخرين، وإنما أن يعرف ما الذي يمكن مشاركته، ومع من، ولماذا، ومن أين جاء الطلب أصلًا.

توصيات للحماية

 

وأكد زبيدة أن هناك قاعدة أساسية في العمل الاستخباري يجب أن يدركها المواطن، وهي أن قيمة المعلومة لا تُقاس دائمًا بحجمها، وإنما بسياقها وبقدرة الطرف الذي يجمعها على ربطها بمعلومات أخرى.

وقال إن صورة واحدة عادية، أو اسمًا، أو موقعًا، أو معلومة عن طبيعة العمل، أو توقيتًا للحركة، قد تبدو منفردة بلا أهمية، لكنها عندما تجتمع مع معلومات أخرى يمكن أن تصبح جزءًا من صورة أكثر اكتمالًا.

وشدد على أن الحماية تبدأ من سلوك المواطن نفسه، عبر التحقق من هوية من يتواصل معه، وعدم الثقة بالحسابات المجهولة لمجرد استخدامها صفة رسمية، وعدم تقديم معلومات لا علاقة لها بالخدمة المطلوبة، وتجنب الروابط المشبوهة.

ودعا كذلك إلى عدم الدخول في مواجهة مع الطرف المشتبه به، أو نشر اتهامات غير مثبتة، مع الاحتفاظ بالأدلة والإبلاغ عنها عبر قناة موثوقة.

 

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر