يوافق اليوم السبت، 29 تشرين الثاني/نوفمبر، اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وهو يوم أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977، في تاريخ يتزامن مع قرارها رقم 181 الصادر عام 1947، والقاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، ووضع القدس تحت إدارة دولية.
وتأتي المناسبة هذا العام في ظل عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي خلّفت أكثر من 69 ألف شهيد و171 ألف جريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إضافة إلى دمار واسع في البنية التحتية، قدّرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار.
ورغم اعتداءات الاحتلال ومحاولات التهجير المستمرة، يواصل الشعب الفلسطيني نضاله وتمسّكه بأرضه وحقوقه المشروعة، وعلى رأسها حق العودة إلى دياره التي هُجّر منها عام 1948.
شهدت مسألة الاعتراف بدولة دولة فلسطين موجة غير مسبوقة من التضامن الدولي. فبحسب بيانات صادرة في 2025، ارتفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تعترف بفلسطين إلى نحو 157 دولة من أصل 193، أي ما يعادل أكثر من 80% من المجتمع الدولي.
هذه الاعترافات التي شملت دولاً غربية كانت إلى وقت قريب متردّدة أو محايدة، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، تعدّ تغيرًا دبلوماسيًا كبيرًا، وتشكل صدمة سياسية للإطار التقليدي الداعم لإسرائيل ، علاوة على ذلك، كثير من الدول أصدرت بيانات مشتركة تدين العدوان على غزة، وتطالب بوقفه فوراً، كما عبّرت عن رفضها لمساعي التهجير والتطهير العرقي والإبادة.
من جهة أخرى، يرى محلّلون أن هذه التحولات الدبلوماسية تمثل انعكاسًا للعزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها إسرائيل. فبعد أن ظنت أنها بإمكانها الاستمرار في سياسة التسويف والتوسع، باتت اليوم أمام مجتمع دولي أكثر صراحة ومطالبة كبرى بتحقيق العدالة، مما يضع ضغوطًا غير مسبوقة على إسرائيل
اعتمدت الأمم المتحدة يوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني بموجب القرارين 32/40 باء (1977) و34/65 دال (1979)، ومنذ ذلك الحين تُنظَّم سنويًا فعاليات رسمية في مقرها بنيويورك وفي مكاتبها في جنيف وفيينا، إلى جانب مناقشة سنوية مخصصة لقضية فلسطين.
ويترافق ذلك مع عشرات الفعاليات العالمية، تشمل مهرجانات ومظاهرات ووقفات ثقافية وإصدار بيانات ورسائل تضامنية، تؤكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والعودة، وتُبقي القضية حاضرة في الوجدان الدولي.
يتزامن هذا اليوم مع الذكرى الـ78 لصدور قرار التقسيم رقم 181، الذي منح الدولة اليهودية 55% من مساحة فلسطين التاريخية، فيما قُسِّم ما تبقى للعرب في أراضٍ غير مترابطة جغرافيًا وتفتقر للموارد.
ورغم أن القوى الكبرى اعتبرت القرار حينها خطوة نحو السلام، وصفه العرب بأنه "كارثة" تاريخية و"جريمة سياسية"، بينما رآه ديفيد بن غوريون "أعظم إنجاز" مهّد لقيام دولة الاحتلال.
ويطرح مراقبون تساؤلات حول ما كان سيؤول إليه الوضع لو وافقت الدول العربية على القرار، في ظل واقع يؤكد اليوم أن غزة تواجه حرب إبادة، والضفة الغربية تخضع لمخططات ضمّ ممنهجة، فيما ترفض إسرائيل الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة.
فلسطين تحت النار
في غزة، تتفاقم الكارثة الإنسانية بفعل الجوع وتفشي الأمراض ونقص المياه والرعاية الطبية، بينما تحوّلت المدارس والمستشفيات والمنازل إلى ركام. ومنذ الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023، ارتقى نحو 70 ألف شهيد، وأصيب 170 ألف آخرين، فيما نزح أكثر من 90% من السكان.
أما الضفة الغربية، فتشهد تصعيدًا غير مسبوق من جيش الاحتلال وعصابات المستوطنين، عبر الاقتحامات اليومية، والاستيطان، وعمليات الهدم والاعتقال، والتهديدات المتواصلة بالضم.
وفي الأراضي المحتلة عام 1948، يواصل الفلسطينيون الصمود في وجه سياسات التفريغ والاقتلاع، سواء عبر التمسك بالبيوت المهددة أو الزراعة أو حماية المقدسات، باعتبارها أفعالًا للمقاومة والبقاء.
كما يواصل اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات داخل فلسطين وخارجها تجديد تمسكهم بحق العودة، من خلال فعاليات سنوية ورموز تاريخية كـ"مفتاح البيت" وذاكرة القرى المهجّرة.
في يوم التضامن
أكدت الهيئة الوطنية للعمل الشعبي الفلسطيني في بيان لها اليوم، أن الشعب الفلسطيني يخوض مواجهة مفتوحة مع الاحتلال الذي يواصل حربه على غزة ويصعّد اعتداءاته في الضفة والقدس، مؤكدة أن ما يتعرض له الفلسطينيون هو امتداد لمشروع استعماري يستهدف الأرض والهوية والمقدسات.
وشددت الهيئة على أن المقاومة والصمود والعمل الشعبي تمثل الطريق لهزيمة الاحتلال، وأن وحدة الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات هي مصدر القوة في معركة التحرر، داعية إلى إعادة بناء الإطار الوطني على أساس الشراكة والديمقراطية وتوسيع المشاركة الشعبية.
وفي بريتوريا، أحيت جنوب أفريقيا المناسبة عبر فعالية رسمية برعاية نائب الرئيس بول ماشاتيلي، وبمشاركة سفارة فلسطين ووزارة العلاقات الدولية ومكتب الأمم المتحدة. وأكد ممثل الحكومة، أندرياس نيل، أن التضامن مع فلسطين بلغ مستويات غير مسبوقة.
من جهتها، جدّدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) التزامها بدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مؤكدة أن التضامن مع فلسطين "التزام أخلاقي وإنساني"، وداعية لتعزيز لغة القانون والعدالة ومساندة الفلسطينيين في سعيهم إلى السلام والتنمية.
وفي وقت تتزاحم فيه المآسي اليومية على الفلسطينيين، يبقى هذا اليوم مناسبة لتجديد الالتزام العالمي بمساندة شعب ما يزال يدافع عن وجوده وحقوقه التاريخية، ويصرّ على البقاء فوق أرضه، مهما اشتدّت آلة الحرب والقتل والتهجير.
