بحسب الكاتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت العبرية"، "ناحوم برنياع"، يتولى ما يسمى "منسق العمليات في المناطق" مهمة تحديد ما يدخل إلى غزة، وقد قرر أن السجائر "مضرة بالصحة".. مشاعر "إنسانية جارفة"، كادت، على حد تعبير الكاتب نفسه ساخرا، أن تبكيه.
في غزة، حيث يقتل الناس بالقصف، أو الجوع، أو البرد، أو النزيف، أو تحت الأنقاض، قررت أن تضيف لموتهم "معنى أخلاقيا": لماذا تموتون بالتدخين؟
وقال الكاتب، "المنطق بحسب أخلاق الإسرائيليين بسيط للغاية.. القصف مسموح.. التجويع مفهوم.. تدمير المستشفيات ضرورة أمنية.. لكن السيجارة خط أحمر".
فالتدخين، كما قيل، "مضر بالصحة"، ولا يلزم دخول السجائر للقطاع. أما الماء الملوث، وانعدام الدواء، وانتشار الأوبئة، فهذه تفاصيل ثانوية لا تندرج، على ما يبدو، ضمن تعريف "الخطر الصحي".
وبحسب الكاتب فإن "إسرائيل" لا تهتم بحياة الفلسطينيين في غزة، بل على طريقة قتلهم.. لا مشكلة أن يموت بالقصف، أو الجوع، أو البرد، أو المرض… المهم ألا يموت بسيجارة قد تدر أرباحا لجهات فلسطينية.
المفارقة أنه بسبب إجراءات الاحتلال نفسه، وفق اعتراف الكاتب، فإن عشرات آلاف شاحنات المساعدات أما تتلف أو يفرض عليها ضرائب ضخمة.
السبب الثاني لحظر التبغ "أكثر جدية" وهو المال، فالسجائر تباع عبر التجار وتخشى سلطات الاحتلال أن تفرض جهة فلسطينية ضرائب عليها. أي أن إدخالها قد يدر أرباحا. وهنا تتوقف الاعتبارات الإنسانية الزائفة، وتبدأ الاعتبارات الحقيقية السياسية والعدوانية.
وتحول الإقلاع عن التدخين إلى ظاهرة.. ومن كان يدخن علبة يوميا، صار يقتسم سيجارة واحدة في الأسبوع.
ازدهرت، بطبيعة الحال، سوق التهريب، بحسب صحيفة "إسرائيل هيوم"،.. طائرات مسيرة تهبط في رفح، شبكات تهريب، أرباح خيالية، وفساد متشعب يصل إلى شقيق رئيس جهاز "الشاباك" الإسرائيلي دافيد زيني المتورط في شبكة تم ضبطها وهي ليست سوى واحدة من شبكات كثيرة.. سحابة من الفساد تخيم على ترسيخ الاحتلال للخط الأصفر في غزة.. وكلما تعمق ذلك، ازداد الفساد سوءا.
القضية، كما يعترف الكاتب "برنياع"، ليست سجائر.. القضية هي تطبيع الفوضى.. في غزة، في الضفة، داخل الكيان الإسرائيلي نفسه فوضى تدار، وتشجع، وتبرر، ثم يفاجأ الجميع بنتائجها.
من حرق المنازل في الضفة، إلى السجائر في غزة، إلى الفساد داخل مؤسسات الكيان الإسرائيلي، المشترك واحد وهو "نظام يخلق الفوضى ثم يدعي محاربتها".
فالمسألة، كما ختم الكاتب الإسرائيلي نفسه: "ليست السجائر… بل السرطان".. لكن غزة تعرف جيدا أن السرطان ليس في الرئة، بل في سياسة إسرائيل وعدوانها المستمر.
