تقرير - شهاب
رغم مرور أكثر من ستة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، لا تزال عملية إعادة إعمار غزة معلقة في ظل تعنت الاحتلال الإسرائيلي عن الدخول في المرحلة الثانية، فيما بدأت جهود محلية محدودة للتعامل مع كميات هائلة من الأنقاض الناتجة عن الحرب.
في محافظة خان يونس جنوب القطاع، تعمل شاحنات وآليات ثقيلة على نقل الركام وطحنه في كسارات صخرية، في مشهد يوحي للوهلة الأولى ببدء مرحلة الإعمار، إلا أن هذه العملية لا تتجاوز في الواقع إزالة الأنقاض التي تسد الشوارع، وإنتاج حصى محدود يُستخدم في تسوية الطرق الترابية أو تهيئة مساحات صغيرة.
ويقدر حجم الأنقاض في غزة بنحو 60 مليون طن، بعد تدمير نحو 90% من مباني القطاع، مما يشكل تحدياً بيئياً ولوجستياً وتنموياً غير مسبوق.
وتعمل حالياً خمسة مواقع لتدوير الركام موزعة جغرافياً في خان يونس جنوباً، ودير البلح في الوسط، ومدينة غزة شمالاً، تشرف عليها وزارة الأشغال العامة والإسكان بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وتعتمد على عقود مع مقاولين محليين.
وتصل الطاقة الإنتاجية الحالية لهذه المواقع إلى حوالي ألف طن يومياً في الظروف العادية، مع إمكانية رفعها إلى أكثر من 4000 طن يومياً في حال توفر الوقود واستقرار الأوضاع الأمنية.
وتُستخدم المواد المعاد تدويرها في أعمال محدودة تشمل: تأهيل وتعبيد الطرق المتضررة، وإنشاء أنظمة تصريف مياه الأمطار، وتسوية الأراضي في مواقع الإيواء، وتجهيز البنية التحتية الأساسية لمراكز الإيواء والمرافق الخدمية.
وتواجه هذه العمليات تحديات كبيرة، أبرزها: الأوضاع الأمنية غير المستقرة، القيود على حركة الآليات ونقل الركام، شح الوقود وعدم انتظامه، تقادم بعض المعدات وتعطلها.
تقول المهندسة رقية أبو الرب، رئيسة فريق إعادة إعمار غزة في وزارة الأشغال، إن الوزارة تعمل على إعداد خطة متكاملة للتوسع في إدارة وتدوير الركام، تشمل زيادة عدد المواقع ورفع القدرة الإنتاجية وإدخال معدات حديثة، إلا أن ذلك يتوقف على توفر التمويل وتسهيل إدخال المعدات وضمان استقرار إمدادات الوقود.
من جهته، يؤكد المهندس ناجي سرحان، الوكيل السابق لوزارة الأشغال في غزة والخبير في شؤون الإعمار، أن العمل الحالي يبقى محدوداً جداً ولا يمثل معالجة حقيقية لملف الركام.
ويوضح أن معظم الجهود تركز على فتح الطرق المغلقة، بينما يبلغ حجم الدمار نحو 340 ألف وحدة سكنية مدمرة كلياً، و70 ألف وحدة مدمرة جزئياً.
ويقدر سرحان تكلفة إزالة الركام وحدها بنحو 500 مليون دولار، مشيراً إلى أن الإمكانيات المتاحة حالياً لا تكفي سوى لنسبة ضئيلة من المهمة المطلوبة.
بدوره، يرى المهندس الاستشاري عادل أبو حماد أن الآليات المتوفرة في القطاع لا تغطي إلا نحو 5% من الاحتياجات الفعلية.
ويشير إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي طرح حوالي 20 مناقصة لجمع وترحيل وطحن الركام، لكن العمل لا يزال مقتصراً على تنظيف الشوارع وإزالة بعض الكتل الخرسانية المهددة بالسقوط.
ويقترح الخبراء عدة سيناريوهات للتعامل مع الركام، من بينها استخدام الكتل الخرسانية الكبيرة في تدعيم شاطئ غزة لمواجهة التآكل، أو في مشاريع ردم جزئي للبحر لتوسيع المساحة الجغرافية، بالإضافة إلى طحن الركام واستخدامه في تعبيد الطرق وتسوية الأراضي.
ويخلص الجميع إلى أن غزة تمتلك خبرة سابقة في تدوير الركام من الحروب السابقة، لكن حجم الدمار الحالي يتطلب بنية تشغيلية مختلفة تماماً، وبنية تحتية وتمويلية ولوجستية تفوق القدرات المحلية الحالية بكثير.
