محمد مصطفى شاهين

أنقذوا المسجد الأقصى من المخططات الصهيونية

في هذه الأيام التي يمتد قرار الاغلاق كظل ثقيل على القدس حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثلاثين على التوالي بل يمدده حتى منتصف نيسان أبريل في أطول حصار شامل منذ احتلال المدينة عام 1967 لم يعد الأمر مجرد إجراء أمني مؤقت كما يدّعي المتحدثون الرسميون بحجة الطوارئ المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بل هو فصل جديد في مسرحية التهويد المنهجي المصلون محرومون من التراويح والاعتكاف والجمعة اليتيمة والبلدة القديمة تحولت إلى ثكنة عسكرية والأقصى قبلة المسلمين الأولى أصبح كأنه معزول عن الزمن والتاريخ هذا الإغلاق ليس حادثاً عارضاً إنه ثمرة جريمة مدروسة جذورها تغوص في تربة اليمين الصهيوني المتطرف ذلك التيار الذي يرى في الحرم القدسي ليس مكاناً مقدساً مشتركاً بل ملكية حصرية يجب انتزاعها بالقوة أو بالمكر.

لنعد إلى الجذور فالجريمة لا تولد في فراغ منذ أن احتلت إسرائيل القدس الشرقية بدأت جماعات الهيكل المزعوم تلك الحركات المسيحانية التي تسمي نفسها حركة جبل الهيكل في صياغة رواية توراتية جديدة تُلغي فيها وجود المسجد الأقصى كحقيقة تاريخية ودينية هذه الجماعات التي كانت هامشية في السبعينيات تحولت اليوم إلى قوة سياسية مركزية داخل الائتلاف الحاكم في عام 2025 وحده حسب تقارير وزارة الأوقاف الفلسطينية ودائرة الأوقاف الإسلامية اقتحم أكثر من 65 ألف مستوطن المسجد بزيادة 268 عن العام السابق ونفذوا 280 اقتحاماً منظماً يؤدون فيها طقوساً تلمودية علنية السجود الملحمي النفخ في البوق ارتداء ثياب الصلاة لم تعد الاقتحامات مجرد استفزاز إنها تدريب على فرض التقسيم الزماني والمكاني الذي طالما حذر منه الفلسطينيون والأردنيون والمؤسسات الدولية.

هنا تكمن الجريمة في جذورها العميقة اليمين الصهيوني المتطرف ممثلاً في حزب عوتسما يهوديت بقيادة إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي الذي يُعتبر اليوم حامي الشرطة في القدس بن غفير ليس مجرد سياسي إنه وريث أيديولوجيا كاخ الإرهابية التي كانت تُصنف إرهابية حتى في إسرائيل ذاتها يرى هذا التيار أن الخلاص اليهودي لا يتحقق إلا بهدم رموز الإسلام في الحرم وبناء الهيكل الثالث على أنقاضه الدليل ليس خفياً في 2025 سُجلت ثلاث محاولات غير مسبوقة لإدخال قرابين حيوانية إلى ساحات الأقصى ودعوات علنية من حاخامات متطرفين مثل مئير كوهين لذبح قرابين الفصح داخل الباحات هذه ليست أفعال أفراد إنها سياسة حكومية مدعومة بن غفير نفسه زار الحرم مرات عديدة وأعلن صراحة نحن أسياد القدس وكل أرض إسرائيل والحكومة في ظل انشغال العالم بالحرب على إيران وجدت الفرصة الذهبية لتنفيذ ما كان يُخطط له منذ سنوات إغلاق الأقصى كاملاً وتحويله إلى منطقة عسكرية محظورة على المسلمين بينما تستمر الاقتحامات السرية للمتطرفين.

هذا الوهم الاستعماري المقدس فهو في جوهره أساس للأيديولوجيات المتطرفة هنا يتحول الدين اليهودي المتطرف إلى أيديولوجيا استيطانية تستغل النصوص التوراتية لتبرير الإلغاء الوجودي للآخر الجريمة ليست فقط الإغلاق بل الجذور التي تُغذيها تمويل الدولة لمعهد الهيكل منذ عقود ودعم الكنيست لجماعات مثل أبناء جبل موريا التي تنشر فيديوهات تحاكي حرق الأقصى وتحالف اليمين الشعبوي الإسرائيلي مع تيارات أوروبية متطرفة تشترك في كراهية الإسلام كعدو مشترك هذا التحالف ليس صدفة إنه امتداد لمشروع صهيوني يرى في القدس ليس مدينة سلام بل رمز سيادة مطلقة.

ما يحدث اليوم إغلاق لشهر كامل في رمضان حرمان مئات الآلاف من الصلاة وتنديد ثلاثي من منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ليس مجرد انتهاك للوضع القائم الستاتو كو الذي يحظر الصلوات اليهودية ويحفظ إدارة الأوقاف الإسلامية إنه محاولة لفرض واقع جديد أقصى يهودي خالص أو على الأقل مقسم الخبراء يحذرون من أن هذا التصعيد قد يؤجج حرباً دينية إقليمية خاصة في ظل الحرب على إيران التي تُستغل كغطاء لكن الجذر الأعمق هو الوهم المسيحاني نفسه الاعتقاد بأن الزمن التوراتي يعود بالقوة وأن الآخر الفلسطيني المسلم مجرد عائق يُزال.

في النهاية يظل الأقصى رمزاً للصمود الإنساني أمام الاستعمار الصهيوني إغلاقه ليس نصراً لليمين الصهيوني بل فضيحة أخلاقية تكشف هشاشة مشروعه فالتاريخ كما علّمنا في نقده للأساطير لا يُبنى على الجرائم المقدسة بل على الحقيقة الإنسانية المشتركة والأقصى مهما أُغلق سيبقى مفتوحاً في ضمير الأمة ووجدانها.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة