"دعم فلسطين وإسناد الحلفاء سيستمر مهما بلغت التضحيات"

حوار مصدق بور لـ شهاب: إيران لن تسكت وستذهب نحو خيارات كبيرة إذا استمر العدوان الأمريكي

الباحث والخبير الاستراتيجي الإيراني، الدكتور مصدق بور

خاص - شهاب

حذر الباحث والخبير الاستراتيجي الإيراني، الدكتور مصدق بور، من أنه إذا استمر العدوان الأمريكي، فإن إيران لن تسكت وستذهب نحو خيارات صادمة وفوق استراتيجية، تشمل الإغلاق التام لمضيق هرمز، وإغلاق مضيق باب المندب عبر "حلفائها الأوفياء" في اليمن (أنصار الله)، وتغيير العقيدة النووية بالكامل.

وأفاد د. بور في حديثٍ خاص لوكالة (شهاب) للأنباء، بأن تيار قوي ونافذ في مراكز القرار الإيراني يدفع اليوم نحو إجراء اختبار للقنبلة النووية الإيرانية، انطلاقاً من أن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها واشنطن.

وفكك د. بور، الأبعاد العميقة والتطورات المتسارعة في مسار المواجهة الراهنة بين الجمهورية الإسلامية في إيران والإدارة الأمريكية، إذ استعرض "الخلفيات الحقيقية" لـ "مذكرة التفاهم" الأخيرة، معرجاً على حسابات الميدان والسيادة، والدور المحوري للحرس الثوري في إدارة دفة الصراع وحماية خطوط طهران الحمراء ومحور المقاومة الممتد من بغداد إلى القدس، وبيروت، وصنعاء.

واستهل الدكتور مصدق بور قراءته بالحديث عن مذكرة التفاهم المبرمة بين الجانبين الإيراني والأمريكي، والتي تتألف من 14 بنداً، موضحاً أنها تبدو في ظاهرها وكأنها استجابة للشروط والطلبات الإيرانية، إلا أن واقع الحال يشي بخلاف ذلك.

وأشار بور إلى أن القراءة الدقيقة لما بين سطور التصريحات وتغريدات المسؤولين الأمريكيين تكشف عن "لعبة شطرنج" سياسية ومخطط أمريكي يسعى للتنصل من بنود التفاهم الحقيقي وعدم إعطاء إيران أي مكاسب.

وكشف الخبير الإيراني أن الدافع الحقيقي وراء قبول إدارة ترامب بهذه المذكرة هو المأزق الاقتصادي الخانق الذي وضعت طهرانُ واشنطن فيه، عندما أحكمت قبضتها الاستراتيجية على مضيق هرمز وعطلت إمدادات الطاقة، ما تسبب في أزمة تضخمية كبرى داخل الولايات المتحدة وارتفاع أسعار الوقود (حيث قارب سعر اللتر 6 دولارات)، الأمر الذي شكّل ضغطاً سياسياً وشعبياً داخلياً هائلاً على ترامب.

ومن هذا المنطلق، يصف بور هذه الاتفاقية بأنها "مذكرة سوء تفاهم" وليست مذكرة تفاهم؛ كونها مبنية على انعدام الثقة بين طرفين عدوين وتفتقر للشفافية والوضوح، مما فتح الباب لتفسيرات متضاربة، وحينما جاء وقت التنفيذ حاول الأمريكي فرض إملاءات وشروط جديدة تخدم مصالحه أثناء التطبيق، وهو ما جابهته طهران برفض مطلق.

وفي تفصيل مسار التنفيذ، أوضح بور أن البند الخامس من المذكرة كان ينص بوضوح على قيام إيران بفتح مضيق هرمز لمدة شهرين (قابلة للتمديد) لمنح فرصة للحل النهائي، مقابل قيام الولايات المتحدة بإنهاء حصارها البحري بالكامل عن إيران وتحرير أموالها المجمدة في البنوك القطرية.

إلا أن السلوك الأمريكي جاء تحايلياً؛ حيث سحب قطاعاته البحرية من قبالة السواحل والموانئ الإيرانية ونقلها إلى جهة قريبة فقط في خطوة استباقية لإعادة الحصار مستقبلاً، ولإيحاء الداخل الأمريكي بأن قواته لم تتراجع، نظراً للقيود التي تمنع ترامب من شن حرب جديدة.

إزاء هذه المماطلة والوعود الجوفاء، استندت القيادة الإيرانية فوراً إلى البند الثالث عشر (13) من المذكرة، والذي يمنح طهران الحق في التحلل من التزاماتها في حال عدم تنفيذ البنود الحيوية الأخرى (مثل البند الأول الخاص بلبنان، والخامس بهرمز، والرابع بالحصار، والعاشر والحادي عشر المتعلقين بإعفاءات بيع النفط والبتروكيماويات).

وشدد بور على أن طهران تؤمن بقاعدة "التزام مقابل التزام وخطوة مقابل خطوة"، ولن تسمح لترامب بفرض شروطه أو الخروج بمظهر المنتصر لتلبية مآربه السياسية.

وعرّج الدكتور مصدق بور على المحاولات المنسقة من أمريكا وحلفائها لتجريد إيران من أوراقها الإقليمية، لا سيما في لبنان ومضيق هرمز. ففي ملف لبنان، حاولت واشنطن الالتفاف على البند الأول الذي فُرض إيرانياً لإدراج لبنان ضمن هدنة شاملة، وذهبت للتحرك عبر الحكومة اللبنانية لعقد اتفاق منفصل مع الكيان "الإسرائيلي" لإضعاف هذه الجبهة.

أما في ملف مضيق هرمز، فقد خططوا لإنشاء "مسار بحري مستحدث وبديل" لعبور السفن يحاذي الساحل العُماني للالتفاف على السيادة الإيرانية. وفق د. بور الذي أكد أن القوات البحرية الإيرانية أحبطت هذا المخطط ميدانياً وعمدت إلى استهداف السفن التي تعبر عبر هذا المسار البديل.

ونبّه بور إلى أن موقف طهران مبدئي وقانوني، وليس استهدافاً لدول المنطقة كما يروج البعض؛ إذ إنه في ظروف الحرب والعدوان تتحول هذه الممرات إلى أدوات استراتيجية حربية لحماية الأمن القومي، والقيادة الإيرانية تعتبر مضيق هرمز معبراً سيادياً لن تتخلى عنه وهي من تضع الترتيبات الأمنية الحاكمة لحركته.

تحول المواقف الدولية وأبعاد التصعيد الميداني

وحول ما يزيد من خطورة وضبابية المشهد الراهن، حدد الخبير الإيراني ثلاثة عوامل أساسية: تمسك طهران المطلق بسيادتها على هرمز، والانقلاب الشامل في الموقف الأوروبي (بريطانيا وفرنسا) والاصطفاف خلف ترامب وضغط لندن على سلطنة عمان لاستصدار بيانات إدانة ضد إيران، إضافة إلى ما وصفه بـ"التحول الصادم" في الموقف التركي خلال اجتماع الناتو الأخير وتصريحات الرئيس رجب طيب أردوغان التي قال عنها إنها "تماهت مع الأجندة الغربية وخيبت آمال طهران في استثمار ورقة الخلاف التركي-الإسرائيلي الظاهر".

ميدانياً، ذكر بور أن أمريكا تشن منذ ثلاثة أيام هجمات سافرة على مواقع استراتيجية في جنوب وشمال إيران، واستهدفت الممر التجاري الشمالي الشرقي (الكريدور) الرابط مع روسيا عبر قلق الشام وقرغيزستان، وألحقت أضراراً بخط سكك الحديد المتجه إلى الصين والذي تستخدمه إيران لتصدير نفطها واستيراد السلع للالتفاف على الحصار، فضلاً عن التهديد بضرب الجسور ومراكز الطاقة وطرق النقل.

ورداً على هذا العدوان، أكد بور أن الرد الإيراني أُبلغ بوضوح: أي استمرار لضرب منشآتنا وجسورنا سيُجابه فوراً باستهداف وتدمير كافة منشآت وآبار النفط والطاقة في المنطقة بالكامل.

وأوضح أن طهران تعتبر آبار النفط في الدول الخليجية جزءاً من الاقتصاد الأمريكي لوجود استثمارات وشركات أمريكية ضخمة تديرها وتنتفع منها، وبالتالي فإن ضربها هو رد اقتصادي مباشر ومدمر على محاولات تدمير الاقتصاد الإيراني.

ووجه بور تحذيراً شديداً للدول الخليجية التي تحتضن القواعد الأمريكية (خاصة الكويت والبحرين)، مشيراً إلى أن طهران وضعت منشآت هذه الدول رسمياً في "بنك أهدافها" كدول معادية ومتواطئة، لأن هذه القواعد تدار بضباط وخبراء أمريكيين وتُستخدم كمنطلق للعدوان وتفريغ الأسلحة ضد إيران.

واستذكر بور في هذا السياق الذاكرة التاريخية الداكنة للاصطفاف الخليجي ودعمه المالي والعسكري للعراق في حربها ضد إيران. وقال إنه "رغم محاولات طهران الصادقة لفتح صفحة جديدة ورعاية الصين للاتفاق التاريخي وحوارات العراق والسعودية، فإن الأمور انقلبت تماماً بعد اغتيال الإمام الخامنئي؛ حيث باتت البلاد في ظروف حرب، وغدا الحرس الثوري هو صاحب الكلمة الأولى والعليا ميدانياً وسياسياً".

وفي قراءته للمشهد الداخلي، بيّن بور وجود تباينات طبيعية في ظروف الحروب بين التوجه الدبلوماسي والميدان العسكري (كما حدث في تجاوز الحرس الثوري لمذكرة التفاهم البحرية مع عمان واستهدافه للسفن الغربية)، بالإضافة إلى توجس التيارات السياسية من استئثار تيار مفاوض بعينه بالاتفاق مع أمريكا، وهو ما أدى لفرض توقيع رئيس الجمهورية (بزشكيان) على المذكرة بدلاً من رئيس البرلمان (قاليباف) المحسوب على قادة الحرس الثوري ومؤسساته الاقتصادية.

ورغم هذه التفاصيل، أكد بور أن الكل في إيران يجمع على أهمية رفع الحظر وتحسين قيمة الريال، ولكن دون أي مساس بالخطوط الحمراء وعلى رأسها مضيق هرمز وأوراق القوة الإقليمية.

وشدد الباحث والخبير الإيراني على أن محاولة ترامب فرض معادلة "لا حرب ولا سلم" والمماطلة بانتظار الانتخابات النصفية الأمريكية لن تنجح، وأن إيران تمتلك مقومات ديمغرافية وجغرافية مرعبة (تعداد سكاني يناهز 100 مليون نسمة ومساحة تبلغ 1.6 مليون كم² بتضاريس وعرة عصية على الغزو) تمكنها من امتصاص الضربات وتحمل تبعات الحرب لسنوات، بينما لا يتحمل الاقتصاد الغربي انقطاع الطاقة والأسمدة الزراعية لأكثر من أسابيع بسيطة.

وجدد بور الالتزام المطلق للجمهورية الإسلامية بمحور المقاومة، مؤكداً أن الالتفاف الشعبي المليوني المهيب الذي ظهر في مراسم التشييع في العراق وفاق ما جرى داخل إيران، رسخ قناعة القيادة بأن المقاومة أصبحت عقيدة شعبية راسخة، وبالتالي فإن طهران مصممة ولن تتراجع مطلقاً عن دعم المقاومة الفلسطينية وقضية القدس الشريف، وإسناد حلفائها في اليمن ولبنان والعراق، مهما بلغت التضحيات.

المصدر : شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر