اقتحمت شرطة الاحتلال، مساء السبت، سهرة حناء العريس محمود مصطفى عفن محاميد، في حي الشاغور بمدينة أم الفحم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وألقت قنابل صوتية بين المحتفلين، وأجبرت الحاضرين، بينهم كبار وأطفال، على الانبطاح أرضًا، ما أثار حالة من الغضب والاستنكار في المدينة.
وجاء الاقتحام بصورة مفاجئة بينما كانت العائلة تستعد لزفاف العريس، المقرر غدًا الاثنين، وفق شهود عيان، فيما أظهرت مشاهد متداولة لحظات إجبار عدد من المشاركين على الانبطاح، وسط حالة من الهلع بين الحاضرين.
وقال والد العريس مصطفى العفن محاميد إن قوات الشرطة فتشت المكان والحاضرين، ولم تعثر، بحسب إفادته، على أي غرض غير قانوني، مشيرًا إلى أن عناصر الشرطة كسرت عددًا من الكراسي وصادرت نرجيلة من المكان.
وأضاف أن الاقتحام "نغّص فرحتنا وعكّر الأجواء الاحتفالية دون أي سبب معروف"، معتبرًا أن ما جرى أساء إلى كرامة أهل العريس والضيوف وأثار غضب المشاركين.
ولم تقدم شرطة الاحتلال، حتى إعداد هذه المادة، رواية تفسر أسباب اقتحام الحفل أو استخدام القنابل الصوتية وإجبار المحتفلين على الانبطاح.
علاقة متوترة
وقال المحامي علي عدنان بركات، عضو بلدية أم الفحم، إن ما حدث في حفلة حناء والد العريس رافقه "تعدٍّ على المواطنين العزّل وترويع للحاضرين وزعزعة لأمنهم وانتزاع لفرحتهم في مناسبة اجتماعية"، معتبرًا أن عدم وجود مخالفة أو مسوغ قانوني يبرر ما جرى يستوجب التحقيق والمحاسبة.
وطالب بركات بفتح تحقيق جاد وشفاف في ملابسات الاقتحام، ومحاسبة المسؤولين عنه، وتقديم اعتذار رسمي عن الحادثة.
وتأتي هذه الواقعة في مدينة فلسطينية عُرفت منذ سنوات بمواقفها الرافضة لسياسات الاحتلال، وبحضورها البارز في الحراك الوطني داخل الأراضي المحتلة عام 1948، إذ كانت أم الفحم من أكثر المدن تنظيمًا للفعاليات المساندة للقدس والمسجد الأقصى، والرافضة للاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كما شهدت المدينة تظاهرات ووقفات شعبية خلال الحرب على غزة، وفعاليات تضامن مع أهل القطاع، إلى جانب تحركات متواصلة ضد سياسات الاحتلال في القدس والأقصى، وهو ما جعل حضورها السياسي والوطني واضحًا في المشهد الفلسطيني داخل أراضي عام 1948.
وفي المقابل، ظلت علاقة سكان أم الفحم بشرطة الاحتلال متوترة، خصوصًا مع تعامل الشرطة مع الفعاليات والاحتجاجات السياسية، في وقت يحمّل فيه الأهالي الأجهزة الأمنية مسؤولية التقاعس عن مواجهة الجريمة وانتشار السلاح داخل المجتمع الفلسطيني. وتكررت خلال السنوات الماضية الاحتجاجات التي طالب فيها سكان المدينة الشرطة بحمايتهم من جرائم القتل والعنف، بينما واجهت الشرطة عددًا من هذه التحركات بالإجراءات الأمنية والاعتقالات ووسائل تفريق المتظاهرين.
ولم يتوقف حضور أم الفحم عند القضايا المحلية، إذ برزت المدينة في مناسبات عديدة كإحدى أهم ساحات الحراك الفلسطيني في الداخل المحتل، سواء في الدفاع عن المسجد الأقصى والقدس، أو في تنظيم الفعاليات المنددة بالعدوان على قطاع غزة، أو في الاحتجاج على السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم. لذلك، فإن التعامل الأمني مع المدينة ظل مرتبطًا، في نظر سكانها، بما تحمله من موقف سياسي ووطني واضح، إلى جانب كونها تجمعًا فلسطينيًا حافظ على هويته وانتمائه رغم بقائه تحت سلطة الاحتلال منذ عام 1948.
ومن هذا السياق، تأتي مداهمة حفل الحناء الأخيرة، التي لم تقع خلال مظاهرة أو فعالية سياسية، وإنما داخل مناسبة عائلية، لتثير غضبًا أكبر لدى الأهالي، خاصة مع استخدام القنابل الصوتية وإجبار الحاضرين على الانبطاح. ويرى سكان المدينة أن هذه الطريقة في التعامل لا يمكن فصلها عن سجل طويل من التوتر مع شرطة الاحتلال، التي يطالبونها بالحماية عندما يتعلق الأمر بالجريمة، بينما يرونها أكثر تشددًا وحضورًا عندما يتعلق الأمر بالفعاليات الشعبية والوطنية الفلسطينية.
وفي أيار/مايو الماضي، نظم أهالي أم الفحم وقفة احتجاجية ضد استفحال الجريمة وتقاعس الشرطة عن منعها وجمع السلاح، في مشهد عكس استمرار حالة الغضب الشعبي من طريقة تعامل أجهزة الاحتلال مع المجتمع الفلسطيني في المدينة.
وقبل ذلك، واجهت الشرطة احتجاجات فلسطينية في أم الفحم بالقيود والإجراءات الأمنية، فيما تحرك مركز «عدالة» في قضايا تتعلق بتقييد حق الفلسطينيين في التظاهر، وهو ما يعكس جانبًا من الخلاف المستمر بين الأهالي والمؤسسة الشرطية. كما سبق للمركز أن وثق انتهاكات الشرطة خلال قمع مظاهرات أم الفحم، وواصل التحرك قانونيًا بشأنها.
واقع سياسي وقومي
وفي هذا السياق، يأتي اقتحام سهرة الحناء الأخيرة في حي الشاغور، لا لمظاهرة أو تجمع سياسي، وإنما لمناسبة عائلية، استخدمت فيها الشرطة القنابل الصوتية وأجبرت الحاضرين على الانبطاح، قبل أن تقول العائلة إن التفتيش لم يسفر عن العثور على أي غرض غير قانوني.
وتعيد الواقعة بذلك إلى الواجهة طبيعة تعامل شرطة الاحتلال مع الفلسطينيين في أم الفحم، في مدينة يطالب سكانها منذ سنوات بالحماية من الجريمة، بينما يواجهون إجراءات الشرطة وقيودها عندما يخرجون للاحتجاج أو التعبير عن مواقفهم السياسية والوطنية.
وفي ظل غياب تفسير رسمي لاقتحام حفل الحناء، يبقى استخدام القوة ضد مناسبة عائلية فلسطينية، وإجبار حاضريها على الانبطاح، أحدث حلقة في علاقة متوترة بين سكان أم الفحم وشرطة الاحتلال، علاقة تتداخل فيها الملفات الأمنية مع واقع سياسي وقومي يخص مدينة فلسطينية بقي أهلها في أرضهم بعد احتلال عام 1948.
