د. إياد القرا

ثلاثي الحصار المعابر والتجار والاحتلال

لم تعد معركة الفلسطيني في غزة مقتصرة على النجاة من القصف والدمار، بل امتدت إلى معركة يومية لتأمين رغيف الخبز، والحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية. 

فبعد ثلاث سنوات من الحرب، يجد المواطن نفسه أمام منظومة معقدة تتحكم بقوته، تبدأ من الاحتلال الذي يسيطر على المعابر وحركة البضائع، ولا تنتهي عند بعض كبار التجار الذين يسعون إلى تحويل حاجة الناس إلى مصدر للربح والنفوذ.

لقد كشف الخلاف الأخير بشأن إدخال البضائع والتعامل بالنقد عن خلل خطير في بنية السوق الغزي، يتمثل في قدرة عدد محدود من المستوردين على التأثير في تدفق السلع إلى أكثر من مليوني فلسطيني، وتحويل الاستيراد من نشاط تجاري يخدم المجتمع إلى ورقة ضغط على المواطنين والجهات المسؤولة عن تنظيم السوق.

والأخطر أن الاحتلال، الذي استخدم الحصار والتجويع والقيود المفروضة على المساعدات خلال الحرب، يمتلك أدوات واسعة للتحكم بالاقتصاد الغزي، من خلال الموافقات والتنسيقات والمعابر. 
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل يُراد إعادة تشكيل اقتصاد غزة ليكون رهينة لمجموعة من التجار المرتبطين بمنظومة التنسيق الإسرائيلية، بعيدًا عن الرقابة والمصلحة العامة؟

لا يمكن فصل هذه التطورات عن محاولات إعادة ترتيب المشهد في غزة بعد الحرب؛ فالسيطرة على الغذاء والدواء وحركة التجارة ليست مسألة اقتصادية فحسب، بل يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ سياسي واجتماعي، خصوصًا عندما تتراجع قدرة المؤسسات المحلية على ضبط الأسواق وحماية المستهلكين.

وتكشف الأرقام عن حجم الكارثة؛ فقد أعلنت الغرف التجارية في غزة أن تكاليف التنسيقات لإدخال البضائع تجاوزت ملياري دولار حتى يوليو الماضي، وهي أموال انعكست على الأسعار واستنزفت قدرات المواطنين. كما تشير تقارير حديثة إلى حصر الاستيراد في ثمانية تجار، بما يثير تساؤلات جدية عن الاحتكار وغياب المنافسة.

وبالرغم من التفاهمات الأخيرة لاستئناف الاستيراد وقبول النقد بنسبة لا تقل عن 30%، فإن الأزمة لم تنتهِ؛ فالمشكلة ليست في عودة الشاحنات وحدها، بل في استمرار المنظومة التي تسمح بالتحكم بقوت الناس، وفرض شروط على السوق، وإخضاع احتياجات المواطنين لحسابات الاحتلال ومصالح المستفيدين من الأزمة.

إن مسؤولية الاحتلال عن الحصار والتحكم بالمعابر لا تعفي أي تاجر من مسؤوليته الأخلاقية والوطنية، كما لا تعفي الجهات المختصة من واجب حماية المواطنين، وضمان شفافية الإجراءات، ومنع الاحتكار، والتحقيق في أي شبهات استغلال أو تعاون غير مشروع.

غزة التي واجه أهلها الموت والجوع والتهجير لا يجوز أن تصبح رهينة لتجار الأزمات، ولا أن يتحول رغيف الخبز إلى امتياز يمنحه الاحتلال، أو سلعة يبتز بها المحتكرون شعبًا أنهكته الحرب.

فالمطلوب ليس مجرد استئناف الاستيراد، بل إنهاء احتكار التنسيقات، وفتح المجال أمام جميع التجار وفق قواعد عادلة، وحماية النقد المتداول، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استغلال معاناة الناس.

لقد دفع أهل غزة أثمانًا باهظة في مواجهة الاحتلال، وليس مقبولًا أن يدفعوا ثمنًا إضافيًا لجشع من يتاجرون بجوعهم.

 

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة
بث مباشر