تقرير كيف أعادت وصية "شهيد" من غزة الرؤية لـ"بيروت" التي خذلتها قوائم العلاج بالخارج؟

خاص / شهاب

في إحدى الغرف الجراحية داخل مستشفى العيون بمدينة غزة، كانت اللحظة تبدو طبية في ظاهرها، لكنها حملت في عمقها معنى يتجاوز حدود الطب نفسه. كان الأطباء يجرون عملية دقيقة لزراعة قرنية لمريضة فقدت قدرتها على الإبصار تدريجيًا، فيما كانت خلف هذا التدخل الجراحي تفاصيل غير مرئية عنوانها: وصية كُتبت قبل الاستشهاد.

القرنية التي أُجريت بها العملية لم تأتِ من نظام صحي مستقر، ولا من بنك عيون خارجي كما هو معتاد في الحالات الطبية المشابهة، بل جاءت من شاب فلسطيني تحولت وفاته إلى مصدر للحياة. فقد أوصى بالتبرع بأعضائه قبل أن يستشهد إثر قصف إسرائيلي استهدف مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، لتصبح تلك الوصية بعد رحيله جزءًا من عملية إنقاذ لامرأة كانت تفقد بصرها بالكامل في ظل حرب لا تترك مساحة للعلاج أو السفر.

فرصة جديدة

أُجريت العملية للمواطنة بيروت النخالة (33 عامًا)، التي كانت تعاني من حالة متقدمة من القرنية المخروطية، أدت إلى تراجع شديد في حدة الإبصار وانعدام شبه كامل للرؤية في العين اليسرى. وجاء التدخل الجراحي ليمنحها فرصة جديدة للبصر، عبر قرنية تبرع بها فلسطيني أوصى باستخدام أعضائه بعد وفاته، قبل أن يستشهد جراء قصف إسرائيلي استهدف مخيم جباليا شمالي قطاع غزة في 16 مايو/أيار الماضي.

ونُفذت العملية داخل مستشفى العيون بمدينة غزة على يد فريق طبي بإشراف مدير المستشفى واستشاري زراعة القرنية الدكتور حسام داوود، الذي أعلن نجاحها، معتبرًا أنها تمثل خطوة أولى نحو إعادة تفعيل برنامج زراعة القرنيات الذي توقف خلال الأشهر الماضية نتيجة الحرب ونقص المعدات الطبية.

وتصف النخالة مسار تدهور حالتها خلال الحرب، موضحة أن الظروف الصعبة من نزوح متكرر، وانتشار الدخان، وانقطاع الكهرباء لفترات طويلة، ساهمت في تسارع فقدانها للبصر، خاصة أنها كانت تعتمد على عينها اليمنى بعد أن فقدت تقريبًا القدرة على الإبصار في العين اليسرى، قبل أن تبدأ الأخرى بالضعف تدريجيًا.

وتضيف أنها كانت مدرجة ضمن قوائم التحويل الطبي للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أن إغلاق المعابر حال دون سفرها وتلقيها العلاج اللازم، ما أدى إلى تفاقم حالتها دون أي تدخل طبي متقدم.

وتقول النخالة: “لم أكن أتصور أن أعود لأفكر في إمكانية إجراء عملية زراعة قرنية داخل غزة، خصوصًا في ظل الظروف الحالية. عندما تلقيت اتصال المستشفى شعرت وكأن فرصة جديدة للحياة قد أُعيدت إليّ بعد أن فقدتها”.

وتعبر عن امتنانها لعائلة المتبرع، مشيرة إلى أن قرار التبرع بأعضاء الشاب الشهيد منحها فرصة لاستعادة جزء من قدرتها على الرؤية، مضيفة: “رحل الجسد، لكن أثره بقي حاضرًا في حياة الآخرين، يمنحهم النور والأمل”.

وفقًا لتقديرات منسق مركز غزة لحقوق الإنسان، محمد خيري، يواجه نحو 5 آلاف جريح في قطاع غزة خطر فقدان البصر بشكل كلي أو جزئي، في ظل تصاعد الإصابات الناتجة عن الاستهداف المباشر وشظايا القصف التي تسببت بأضرار واسعة في العيون، بالتزامن مع منع إدخال أجهزة التشخيص والعلاج اللازمة. كما يشير خيري إلى أن نحو 2400 مريض بحاجة إلى عمليات جراحية عاجلة لم يعد تنفيذها ممكنًا داخل القطاع بسبب نقص الإمكانيات الطبية وإغلاق المعابر، محذرًا من أن استمرار منع السفر وتقييد الوصول إلى العلاج يشكلان انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، ويحوّلان الإصابات القابلة للعلاج إلى إعاقات دائمة.

قوائم الانتظار

قال مدير مستشفى العيون واستشاري زراعة القرنية، الدكتور حسام داوود، إن العملية التي أُجريت مؤخرًا تُعد أول حالة ضمن استئناف الحملة الوطنية لزراعة القرنيات في قطاع غزة، وهي الحملة التي كانت قد انطلقت قبل الحرب ثم توقفت بالكامل مع اندلاعها نتيجة الظروف الميدانية وتدهور الإمكانيات الطبية.

وأوضح داوود أن الطواقم الطبية داخل المستشفى تمكنت خلال الأشهر الماضية من إعادة تأهيل الحد الأدنى من الجاهزية التشغيلية عبر توفير عدد محدود من الأدوات الجراحية والخيوط والمواد الطبية الأساسية، بعد جهود استمرت قرابة ثلاثة أشهر في ظل نقص شديد في الإمدادات الطبية وصعوبة إدخال المستلزمات إلى القطاع.

وأشار إلى أن الحاجة الطبية في هذا المجال تتفاقم بشكل كبير، إذ يتواجد أكثر من 300 مريض على قوائم الانتظار بحاجة عاجلة إلى زراعة قرنية، في وقت بات فيه السفر لتلقي العلاج خارج قطاع غزة شبه مستحيل بالنسبة لغالبية المرضى، بسبب القيود المفروضة على الحركة وإغلاق المعابر.

وبيّن داوود أن هذا الواقع دفع الطواقم الطبية إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على المصادر المحلية لتوفير القرنيات، من خلال التبرع بها من الشهداء أو المتوفين، بعد الحصول على موافقة ذويهم، باعتبار ذلك الخيار الوحيد المتاح في ظل انعدام البدائل الخارجية.

مرشحة للارتفاع

من جانبه، حذّر مدير مستشفى العيون واستشاري جراحة العيون، الدكتور عبد السلام صباح، من اتساع رقعة خطر فقدان البصر الدائم بين آلاف المصابين في قطاع غزة، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية المتخصصة، والتي لا تزال خاضعة لقيود تمنع دخولها إلى القطاع.

وأوضح صباح أن إصابات العيون تشكل نسبة تُقدّر بنحو 11% من إجمالي جرحى الحرب، بما يعادل قرابة 17 ألف إصابة، في حين فقد أكثر من 3 آلاف مصاب بصرهم بشكل كامل حتى الآن، مشيرًا إلى أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع في ظل استمرار الظروف الحالية، لا سيما بين الأطفال الذين يشكلون نحو 20% من مجمل الضحايا، ويُعدّون من الفئات الأكثر عرضة للإصابة بالعمى الدائم.

وأشار إلى أن الطواقم الطبية تواجه يوميًا حالات فقدان بصر جديدة، في ظل صعوبة التدخل الجراحي العاجل لإصابات الشظايا والحوادث البصرية المعقدة، الأمر الذي يؤدي في كثير من الحالات إلى مضاعفات خطيرة مثل الالتهابات التي تنتهي باستئصال العين بالكامل.

ولفت صباح إلى أن النقص الحاد في غرف العمليات والمجاهر الجراحية والمستهلكات الطبية الأساسية بات يهدد بحدوث شلل شبه كامل في القدرة على إجراء التدخلات الطارئة، ما يضاعف من حجم الإعاقات الدائمة التي يمكن تفاديها في الظروف الطبيعية.

وأكد أن غياب التدخل الطبي السريع يحوّل كثيرًا من الإصابات التي يمكن علاجها إلى إعاقات مستدامة، منتقدًا القيود المفروضة على سفر المرضى، والتي تحرم العديد منهم من فرصة العلاج بحجة أن حالاتهم لا تُصنّف ضمن “الإنقاذ الفوري للحياة”، رغم أن فقدان البصر يمثل إعاقة كاملة تؤثر جذريًا على مستقبل المصاب وجودة حياته.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة