تقرير 36 دونمًا من أنقاض الحصانة الدولية والأممية.. القدس تُعاد صياغتها بالقوة  

خاص / شهاب

في خطوة جديدة تعكس تصعيدًا في سياسات الاحتلال الرامية إلى تكريس وقائع استعمارية في مدينة القدس المحتلة، صادقت حكومة الاحتلال على مشروع يقضي بتحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" في حي الشيخ جراح إلى منشآت عسكرية.

ويشمل المشروع إقامة مكتب لوزير جيش الاحتلال، ومتحف عسكري، ومكتب تجنيد جديد، على أنقاض مقر الوكالة الأممية الذي كان يمثل أحد أبرز رموز الحضور الدولي الداعم للاجئين الفلسطينيين في المدينة، في خطوة وُصفت فلسطينيًا بأنها استهداف مباشر لوجود "الأونروا" ومحاولة لتصفية دورها في القدس المحتلة.

وصادقت حكومة الاحتلال على المخطط الذي سيُقام على مساحة تُقدّر بنحو 36 دونمًا من أراضي مجمع "الأونروا" في حي الشيخ جراح، بعد أن استولت عليه سلطات الاحتلال مطلع العام الجاري، عقب اقتحامه وتخريب محتوياته وإخراجه عن الخدمة بالقوة، وذلك عقب إقرار "الكنيست" قانونًا يحظر عمل الوكالة في القدس المحتلة.

"تمادي الاحتلال"

في المقابل، اعتبرت محافظة القدس أن القرار يشكل "تصعيدًا خطيرًا واعتداءً سافرًا على القانون الدولي"، مؤكدة أن استهداف مقر تابع للأمم المتحدة يتمتع بحصانات وامتيازات دولية يمثل انتهاكًا فاضحًا لاتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946.

وأضافت المحافظة أن المشروع يندرج ضمن سياسة ممنهجة ينتهجها الاحتلال لفرض وقائع تهويدية في القدس المحتلة، ومحاولة تفريغ المدينة من بعدها الدولي والإنساني، عبر استهداف المؤسسات الأممية العاملة فيها.

كما أشارت إلى أن إقامة ما يسمى "متحف تراث الجيش الإسرائيلي" في المنطقة، وفي محيط "تلة الذخيرة"، يأتي في إطار محاولة فرض الرواية الإسرائيلية على حساب الرواية الفلسطينية، وربط الأرض الفلسطينية بسردية عسكرية استعمارية.

من جانبه، قال الخبير في شؤون القدس فخري أبو ذياب إن ما يجري يعكس حالة "تمادي الاحتلال في انتهاك القانون الدولي تحت غطاء الإفلات من العقاب"، مشيرًا إلى أن استهداف المؤسسات الدولية لم يعد استثناءً، بل أصبح سياسة ممنهجة.

وأوضح أبو ذياب أن الاحتلال يمارس في القدس سياسة شاملة تشمل الاستيلاء على الأراضي، وهدم المنازل، والتضييق على السكان الفلسطينيين، وصولًا إلى ضرب الوجود الدولي، وفي مقدّمته "الأونروا".

وأضاف أن تحويل مقر "الأونروا" إلى منشآت عسكرية يحمل رسائل سياسية خطيرة، مفادها أن الاحتلال لا يعترف بأي حصانة للمؤسسات الدولية، وأنه ماضٍ في فرض سيطرته الكاملة على المدينة بالقوة.

واعتبر أن الدعم الأمريكي غير المشروط للاحتلال شكّل غطاءً سياسيًا لهذه الانتهاكات، ما شجع حكومة الاحتلال على المضي في سياساتها دون أي خشية من المساءلة الدولية.

وتتهم سلطات الاحتلال بعض موظفي "الأونروا" بالمشاركة في هجوم السابع من أكتوبر 2023، وهي اتهامات نفتها الوكالة بشكل متكرر، فيما تؤكد الأمم المتحدة استمرار التزام "الأونروا" بعملها وحيادها رغم القيود والإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة ضدها.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى خدمات الوكالة، خصوصًا في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة وما خلفته من كارثة إنسانية واسعة النطاق.

مستوى متقدمًا من التمرد

من جانبه، قال الخبير في القانون الدولي صلاح عبد العاطي إن قرار تحويل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" يمثل تصعيدًا خطيرًا يمس بصورة مباشرة بمكانة الأمم المتحدة وحصاناتها، ويعكس اتجاهًا متسارعًا لاستهداف المؤسسات الدولية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يتجاوز كونه إجراءً إداريًا أو عقاريًا إلى فعل سياسي وقانوني بالغ الخطورة.

وأوضح عبد العاطي أن خطورة هذا القرار تتضاعف في ظل الحملة الممنهجة التي تشنها سلطات الاحتلال ضد "الأونروا"، والتي شملت حظر عمل الوكالة ووصمها بالإرهاب، في سابقة تُعد اعتداءً مباشرًا على مؤسسة أممية أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار دولي، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال شرعت منذ ذلك الوقت في خطوات عملية تستهدف إنهاء وجود الوكالة، من إغلاق مؤسساتها في القدس، إلى الاستيلاء على مقرها في الشيخ جراح، وصولًا إلى تحويله إلى منشآت عسكرية.

وأكد أن مقار الأمم المتحدة ووكالاتها تتمتع بحصانة قانونية كاملة بموجب اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946، والتي تنص على حرمة مباني المنظمة وعدم جواز مصادرتها أو اقتحامها أو تغيير طبيعتها أو استخدامها دون موافقة الأمم المتحدة نفسها، موضحًا أن أي إجراء أحادي من جانب سلطات الاحتلال يمس هذه المقار يُعد انتهاكًا صارخًا للالتزامات الدولية واعتداءً على مبدأ استقلال وحياد المؤسسات الأممية.

وأضاف أن هذه السياسات تعكس مستوى متقدمًا من التمرد على قواعد القانون الدولي، إذ لا تقتصر على مخالفة اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة، بل تمتد لتشكل تحديًا مباشرًا لميثاق الأمم المتحدة، باعتبار سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" طرفًا ملزمًا باحترام وحماية عمل المؤسسات الإنسانية الدولية في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وأشار عبد العاطي إلى أن القرار يشكل خرقًا جسيمًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر على قوة الاحتلال الاستيلاء على الممتلكات المدنية أو تغيير طبيعتها أو استخدامها لأغراض عسكرية، خاصة إذا كانت مخصصة للعمل الإنساني والإغاثي، لافتًا إلى أن المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر تدمير أو مصادرة ممتلكات المؤسسات العامة أو الإنسانية إلا لضرورات عسكرية قاهرة ومؤقتة، وهو ما لا ينطبق على هذا القرار الذي يأتي ضمن سياسة أوسع لإعادة تشكيل الواقع في القدس المحتلة.

كما لفت إلى أن هذه الممارسات تتعارض مع مواقف وآراء محكمة العدل الدولية التي أكدت ضرورة احترام حصانات مؤسسات الأمم المتحدة ورفض أي إجراءات تعيق عملها أو تمس وجودها ووظيفتها الإنسانية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس.

وبيّن أن خطورة القرار لا تتوقف عند البعد القانوني، بل تمتد إلى البعد السياسي، إذ يعكس محاولة ممنهجة لتقويض الدور الأممي في القدس المحتلة، وإضعاف وكالة "الأونروا" بشكل خاص، بما يهدد منظومة حقوق اللاجئين الفلسطينيين وعلى رأسها حق العودة.

وشدد عبد العاطي على أن القدس تُعد أرضًا محتلة وفق قرارات الأمم المتحدة والآراء الاستشارية لمحكمة العدل الدولية، وبالتالي لا تملك سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" أي سيادة قانونية تخولها التصرف بمقار الأمم المتحدة أو تغيير طبيعتها أو وظيفتها، ما يجعل القرار بمثابة استيلاء غير مشروع ومصادرة تعسفية لممتلكات منظمة دولية محمية.

وفيما يتعلق بالمسؤولية الدولية، أوضح أن هذا الإجراء يترتب عليه مسؤولية قانونية وسياسية على سلطات الاحتلال، ويفتح الباب أمام تحرك دولي متعدد المسارات، يشمل مطالبة الأمم المتحدة بإلغاء القرار وإعادة الوضع القانوني للمقر، وطرح القضية أمام مجلس الأمن والجمعية العامة باعتبارها مساسًا بحصانات المنظمة الدولية، إضافة إلى إمكانية إدراجها ضمن الملفات المنظورة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية باعتبارها جزءًا من سياسات الضم والاستيلاء والاضطهاد في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وأكد أن خطورة هذا الإجراء لا تكمن فقط في الاستيلاء على مبنى تابع لـ"الأونروا"، بل في الرسالة الأوسع التي يحملها، والمتمثلة في محاولة تقويض الوجود القانوني والرمزي للأمم المتحدة في القدس المحتلة، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا يتجاوز الإدانة إلى المساءلة الفعلية، لحماية النظام القانوني الدولي ومنع انهيار منظومة الحصانات الأممية أمام ممارسات الاحتلال.

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة