خاص / شهاب
لم يعد الاصطفاف أمام تكايا الطعام وحده سبيلًا للحصول على وجبة تسد جوع آلاف العائلات في قطاع غزة، التي باتت تعتمد بشكل شبه كامل على ما تقدمه المطابخ الخيرية المنتشرة في مناطق متفرقة من القطاع، بعد أن دفعت حرب الإبادة "الإسرائيلية" السكان إلى حافة العوز وفقدان أبسط مقومات الحياة. فمنذ أشهر، يعيش الغزيون تحت حصار مشدد وتحكم قاسٍ في دخول المواد الغذائية وكمياتها، ما انعكس بصورة مباشرة على توفر الطعام وأسعاره، ودفع كثيرًا من الأسر إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا، إن توفرت.
ومع تصاعد الحديث، خلال الأسابيع الأخيرة، عن تقليص خدمات الإغاثة وتراجع عمل بعض المطابخ الإنسانية، تتزايد مخاوف السكان من اقتراب مرحلة جوع أشد قسوة، في وقت تبدو فيه الأسواق عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات الأهالي، سواء بسبب شح البضائع أو الارتفاع غير المسبوق في الأسعار.
مخاوف الغزيين
وتتعزز مخاوف الغزيين مع بدء مؤسسات إغاثية دولية تقليص خدماتها الغذائية داخل القطاع، في وقت تعتمد فيه مئات آلاف العائلات على الوجبات المجانية كمصدر شبه وحيد للطعام. وأعلن "المطبخ العالمي"، في منتصف مايو/ أيار الحالي، خفض نطاق عملياته والعودة إلى مستويات الطهي التي كانت معتمدة قبل دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مرجعًا ذلك إلى ضغوط مالية متزايدة، رغم استمرار الاحتياجات الإنسانية الحادة في غزة.
وقالت المنظمة إنها ستواصل تقديم "مئات آلاف الوجبات الساخنة يوميًا"، بعدما كانت توفر نحو مليون وجبة يوميًا خلال الأشهر الماضية، في محاولة للاستجابة لانهيار إمدادات الغذاء الناتج عن إغلاق المعابر واستمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات.
وأكدت المنظمة أن استمرار هذا المستوى من الدعم لم يعد ممكنًا بالاعتماد على التبرعات الخاصة فقط، مشيرة إلى أنها أنفقت منذ بداية الحرب أكثر من نصف مليار دولار على عمليات الإغاثة الغذائية في قطاع غزة. وشددت على أن "إطعام غزة لا يمكن أن يقع على عاتق منظمة واحدة".
ويعيد هذا التقليص إلى أذهان السكان خطوات سابقة اتخذتها المنظمة خلال الأشهر الماضية، بينها وقف دعم الدقيق المخصص للمخابز التي كانت توفر الخبز المدعوم للأهالي، وهو ما فاقم الأزمة الغذائية ورفع حدة القلق من تراجع مصادر الغذاء الأساسية، خاصة مع استمرار النزوح الواسع وانهيار الظروف المعيشية لعشرات آلاف العائلات.
وفي ظل تصاعد المخاوف الشعبية من تراجع مصادر الغذاء داخل القطاع، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن التقليصات الأخيرة التي طالت عمل "المطبخ المركزي العالمي" ترتبط بشكل مباشر بأزمة التمويل وتراجع القدرة على توفير موارد تشغيلية مستدامة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بصورة غير مسبوقة.
ويقول الثوابتة، في حديثه لوكالة شهاب، إن ما يجري لا يرتبط بوجود قرار سياسي لوقف العمل الإغاثي، وإنما بالأعباء المتفاقمة التي تواجه المؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع، موضحًا أن استمرار هذه الجهود يتطلب "تعاطيًا دوليًا مسؤولًا يحمي العمل الإنساني في غزة من الانهيار الكامل".
تداعيات خطيرة
وبحسب المعطيات الميدانية التي أوردها، فإن "المطبخ المركزي العالمي" شكّل، خلال الأشهر الماضية، أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في قطاع غزة، بعدما وصلت قدرته التشغيلية، في ذروة عمله، إلى توفير نحو مليون وجبة يوميًا، عبر شبكة واسعة من المطابخ الميدانية والمخابز ونقاط توزيع الطعام المنتشرة في مناطق مختلفة من القطاع.
ويشير الثوابتة إلى أن دور المنظمة لم يقتصر على الوجبات الساخنة فقط، بل امتد لتوفير نحو 73 مليون رغيف خبز، إضافة إلى ملايين الجالونات من المياه الصالحة للشرب لصالح النازحين والعائلات المتضررة من الحرب، في وقت فقدت فيه غالبية الأسر مصادر دخلها وقدرتها على تأمين الاحتياجات الأساسية.
ويحذر من أن أي تقليص في عدد الوجبات أو ساعات التشغيل أو نطاق عمل المنظمة ستكون له تداعيات إنسانية خطيرة على أكثر من 250 ألف أسرة باتت تعتمد على هذه الوجبات كمصدر رئيسي، وأحيانًا وحيدًا، للغذاء اليومي، خصوصًا في مراكز الإيواء ومناطق النزوح التي تشهد مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
ويوضح أن الأطفال والمرضى وكبار السن يظلون الفئات الأكثر عرضة للخطر مع أي تراجع في الخدمات الغذائية، في ظل الظروف الإنسانية المتدهورة واستمرار نقص المواد الأساسية داخل القطاع.
كما يحذر الثوابتة من أن استمرار تراجع الخدمات الإغاثية سيؤدي إلى تعميق الهشاشة الإنسانية ورفع احتمالات تفشي الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، إلى جانب زيادة مخاطر المجاعة، خاصة مع الانهيار الواسع الذي يضرب القطاعين الصحي والاقتصادي نتيجة إغلاق المعابر ومنع تدفق الاحتياجات الأساسية.
ويحمّل المجتمع الدولي والدول المانحة والمؤسسات الأممية مسؤولية ما يواجهه سكان غزة من تدهور إنساني متسارع، مطالبًا بتحرك عاجل لتوفير تمويل طارئ ومستدام يضمن استمرار عمل المؤسسات الإغاثية، وعلى رأسها "المطبخ المركزي العالمي".
ويشدد على أن إنقاذ الوضع الإنساني في غزة لا يرتبط بالدعم المالي وحده، بل يحتاج أيضًا إلى ضغط دولي فعلي يضمن تدفق الإمدادات الغذائية والوقود والمستلزمات التشغيلية، ورفع القيود التي تعيق وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان، وفق ما تنص عليه قواعد القانون الدولي الإنساني.
من جانبها، حذّرت منظمات "أوكسفام" و"سيف ذا تشلدرن" و"ريفيوجيز إنترناشونال" من اتساع الفجوة بين التعهدات الدولية المتعلقة بتحسين الوضع الإنساني في غزة وبين ما يجري فعليًا على الأرض، مؤكدة أن سكان القطاع ما زالوا يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، رغم النص الواضح في قرار مجلس الأمن الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 على استئناف المساعدات الإنسانية بشكل كامل.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت يعيش فيه أهالي غزة حالة قلق متزايدة من تفاقم أزمة الغذاء، خاصة مع تقليص خدمات الإغاثة وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتصاعدة لعشرات آلاف العائلات التي تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائية.
ملوثة ومكشوفة
وفي هذا السياق، قالت رئيسة منظمة "أوكسفام أميركا"، آبي ماكسمان، إن "إسرائيل" ما تزال تمنع إدخال إمدادات أساسية يحتاجها القطاع، من بينها الأنابيب اللازمة لإصلاح شبكات المياه، ومواد الإيواء، إضافة إلى الإمدادات الطبية الضرورية، الأمر الذي يفاقم الظروف الإنسانية ويزيد من معاناة السكان.
وأشارت ماكسمان إلى أن نقص معدات الصرف الصحي ومواد النظافة يدفع العائلات إلى العيش في بيئة ملوثة ومكشوفة على مياه الصرف، ما يرفع احتمالات انتشار الأمراض، خصوصًا داخل مراكز الإيواء ومناطق النزوح المكتظة.
من جانبها، أكدت ممثلة منظمة "سيف ذا تشلدرن" في الولايات المتحدة، جانتي سوريبتو، أن الأطفال في قطاع غزة ما زالوا يصلون إلى العيادات وهم يعانون من سوء تغذية حاد نتيجة نقص الغذاء الصحي والكميات الكافية من الطعام، موضحة أن أعداد الحالات المسجلة ارتفعت خلال إبريل/ نيسان الماضي مقارنة بالأشهر الأولى التي أعقبت وقف إطلاق النار.
وأضافت أن نحو 600 ألف طفل في غزة حُرموا من التعليم للعام الثالث على التوالي بسبب غياب نظام تعليمي فعّال، في ظل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية واستمرار الظروف الإنسانية القاسية.
وفي السياق ذاته، قالت الجرّاحة الأميركية تيريزا سولدنر، التي عادت مؤخرًا من قطاع غزة بعد فترة عمل داخل المستشفيات، إن المرافق الطبية ما تزال تستقبل يوميًا أعدادًا جديدة من المصابين نتيجة الغارات "الإسرائيلية" المتواصلة، مؤكدة أن "المنظومة الصحية الفلسطينية دُمّرت بالكامل"، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في الإمكانيات والأدوية والمستلزمات الطبية.
ودعت المنظمات الثلاث المجتمع الدولي، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة باعتبارها الراعي الرئيسي لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى ممارسة ضغوط حقيقية على "إسرائيل" لإلزامها بتنفيذ تعهداتها الإنسانية وضمان تدفق المساعدات إلى القطاع، محذرة من أن استمرار هذا الإخفاق قد يقوض ما تبقى من فرص نجاح خطة السلام.
وفي خضم هذه التحذيرات الدولية، يجد سكان غزة أنفسهم أمام واقع يزداد قسوة يومًا بعد آخر، مع تراجع المساعدات، واستمرار القيود على دخول الإمدادات الأساسية، واتساع المخاوف من انزلاق القطاع نحو مرحلة جوع أشد حدة خلال الأسابيع المقبلة.
