توجيهي تحت النار: طلاب يبحثون عن مستقبل في غزة وسط الركام

طالبة تدرس فوق الركام

غزة - فادي حجازي

مع اقتراب دخول حرب الإبادة على غزة عامها الثالث، يمر طلاب الثانوية العامة "التوجيهي" بتجربة تعليمية فريدة وصعبة، بعدما تحولت المدارس إلى أنقاض، وأصبحت منازلهم خيام نزوح مؤقتة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

وتشير تقارير وزارة التربية والتعليم إلى أن نحو 78 ألف طالب وطالبة في غزة حُرموا من تقديم امتحانات الثانوية خلال عامي 2024 و2025، فيما استشهد 4 آلاف وهاجر عدد مماثل بسبب الحرب.

ورغم غياب موعد الامتحانات، ونقص الكتب والقرطاسية، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، يواصل آلاف الطلاب استعدادهم للامتحانات في ظروف غير إنسانية، وسط درجات حرارة مرتفعة أرهقت أجسادهم قبل عقولهم. فالظروف داخل الخيام لا تساعد على الدراسة، ومع ذلك يواصل الطلاب المذاكرة على ضوء شمعة أو مصباح صغير يعمل بالبطارية، وسط أصوات القصف التي تهدد حياتهم كل لحظة.

وبين ضجيج القصف وتدهور الصحة النفسية والجسدية، يتمسك الكثير منهم بالأمل في استكمال تعليمهم، معتبرين أن النجاح رسالة تحدٍ للعالم تقول: "شعب غزة يستحق حياة كريمة".

أولياء الأمور أيضًا يعيشون قلقًا مضاعفًا، إذ يدركون أن أبنائهم لا يواجهون فقط صعوبة المنهاج، بل صعوبة البقاء، مع نقص الغذاء والنوم، ومشاهد الفقد والدمار. ومع ذلك يرون في التعليم سلاحهم الأخير لمواجهة الحرب وكسر دائرة المعاناة.

*عوائق وتحديات*

علاء ياسر، أحد طلبة توجيهي دفعة 2007، وصف عامه الدراسي بأنه "مزيج من الصبر والتحدي والإصرار على بلوغ الحلم"، مضيفًا: "الأمر الأصعب كان انقطاع الكهرباء. أحيانًا أتوقف تمامًا، لكن أعود لأكمل لأن النجاح لا يأتي بسهولة".

لم يكن انقطاع الكهرباء وحده، بل الأجواء الأمنية المضطربة وأصوات الطائرات والضائقة الاقتصادية جعلت التركيز شبه مستحيل. ومع ذلك ظلّ علاء يبحث عن أي وسيلة لمواصلة الدراسة، سواء عبر ملخصات الأصدقاء أو الشرح المدرسي.

وأشار إلى أن تجربة التوجيهي علمته أن الإرادة أقوى من أي عقبة، مضيفًا: "أدرس ليس فقط للنجاح، بل لأثبت أنني قادر على بناء مستقبل أفضل". 

ويختتم حديثه برسالة أمل مشتركة مع زملائه: "العلم هو سلاحنا، وسننهض من تحت الركام لنكمل تعليمنا ونبني مستقبلًا مشرقًا لنا ولوطننا".

*عامان ضائعان*

سما عرفات صيام، طالبة توجيهي 2006، عبّرت عن حزنها العميق لعدم تمكنها من خوض الامتحانات، معتبرة أن عامين من عمرها "ضاعا في الهواء".

وذكرت سما أنها تحدت ظروف الحرب والنزوح القسري، وتدرس ليل نهار في خيام حارة صيفًا وباردة شتاءً، ورغم ذلك لم تُجرِ الامتحانات حتى الآن، قائلةً: "أنا وما يقارب 78 ألف طالب وطالبة محرومون من امتحانات الثانوية العامة، وكل سنة تمر على حساب أحلامنا ومستقبلنا".

وتابعت: "كان المفترض أن أكون طالبة في السنة الثانية من الجامعة، لكن حتى اللحظة لم أتمكن من اجتياز كابوس التوجيهي… ما ذنبنا؟ أليس من حقنا أن نكمل تعليمنا؟"، وطالبت المؤسسات الدولية ووزارة التربية والتعليم بإيجاد أي وسيلة لإقامة الامتحانات وتوفير ظروف مناسبة لاستكمال تعليمهم الجامعي.

*حلم وكتب محروقة*

إيهاب أبو الخير، والد الطالبة سما، روى أن ابنته حلمت بالحصول على شهادة الثانوية ودراسة المحاسبة وافتتاح مكتبها الخاص، لكن الحرب أفسدت حلمها.

وقال أبو الخير: "وصلنا إلى مرحلة إحباط شديدة بعد عامين من الحرب. وأحيانًا اضطررنا لحرق كتب التوجيهي والملخصات لطهي الطعام بسبب انقطاع الوقود".

وأضاف: "ابنتي بدأت التحضير للتوجيهي في جباليا، ثم انتقلت لدراسة في دير البلح، وخان يونس، ثم عدنا لجباليا… واليوم تواصل دراستها من داخل خيمة".

وأكد الأب أن الامتحانات الإلكترونية هي الحل العادل حتى لا يضيع عام جديد فوق عامين من الحرب والحرمان، مشيرًا إلى أنها ضرورة وليس خيارًا، لمنح الطلبة فرصة مستقبل أفضل.

*أزمة معقدة*

محمد البحيري، أستاذ اللغة الإنجليزية، أوضح أن امتحانات الثانوية العامة تواجه أعقد أزمة منذ سنوات، بسبب تدمير المدارس، استشهاد أو هجرة المعلمين، النزوح المتكرر وانقطاع الإنترنت، ما جعل غالبية سكان القطاع بلا مأوى أو بيئة مناسبة للتعليم.

وأشار إلى أن الوزارة، بالتعاون مع شركائها وبدعم قطري، درست عدة بدائل، لكن الظروف الميدانية الصعبة واستهداف المدارس جعل عقد الامتحانات في القاعات خطرًا، فتم التفكير في "الامتحان المنزلي" عبر تطبيق Tawjihi Exam.

وبيّن أن الطلبة يعيشون منذ عامين بين تحديات الدراسة وضغوط الحرب، وأن بعضهم تجاوز سن 19 عامًا وينتظر بشغف إنهاء المرحلة للوصول إلى مستقبلهم.

*تحديث بيانات الطلبة*

وفي ذات السياق، ذكر البحيري أن الوزارة أعلنت عن بدء تسجيل وتحديث بيانات طلبة دفعة 2006، لضمان عدم حرمانهم من فرص التقدم للامتحانات والالتحاق بالجامعات، وذلك عبر تنظيم اجتماعات متواصلة لضمان نجاح العملية الامتحانية بكافة الوسائل المتاحة.

وأضاف البحيري: "أن أي هدنة قد تُستثمر لإقامة نقاط تعليمية أو "خيم تعليمية" مزودة بخدمات إنترنت قوية بدعم من شركة الاتصالات وبالتنسيق مع المؤسسات الشريكة، وعلى رأسها منظمة اليونيسف، نظرًا لأن نحو 80–90% من مدارس القطاع تعرضت للهدم الكلي أو الجزئي". 

واعتبر أن مجرد تمكين الطلبة من التقدم للامتحانات يمنحهم شعورًا بوجود بصيص أمل في استكمال دراستهم الجامعية أو السفر للخارج، مؤكدًا أن شهادة الثانوية العامة تمثل "جواز عبور أساسي للانتقال إلى مرحلة جديدة في حياة الطالب".

وختم البحيري بالقول: "من خلال متابعتي ولقاءاتي مع طلبتي الذين درستهم قبل الحرب، أرى أن طموحاتهم ما زالت حية رغم الدمار. لكن واقع غزة بعد ما تعرضت له من إبادة وتدمير شامل جعلها – بكل أسف – مقبرة للأحلام والطموحات".

*سيناريو لحل الأزمة*

أما المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم العالي، صادق الخضور، فأكد في تصريحات صحفية، أن الوزارة بدأت التحضير لسيناريو يمكّن طلبة الثانوية العامة في قطاع غزة من التقدّم للامتحانات، حتى في حال استمرار العدوان الإسرائيلي.

وأوضح الخضور أن نقاشًا جرى بين وزير التربية والتعليم ورئاسة الوزراء ولجنة الامتحانات، تم خلاله التوافق على البدء بترتيبات خاصة لعقد امتحانات "التوجيهي" في غزة بأقرب فرصة، مؤكّدًا أن حقوق الطلبة تحتل أولوية قصوى لدى الوزارة.

وبيّن أن الامتحانات ستُعقد بصيغة إلكترونية، حيث جُهزت الأنظمة البرمجية الخاصة، فيما لا تزال بعض الترتيبات الفنية قيد الإعداد، وسط تحديات تشمل استمرار العدوان وانقطاع الإنترنت.

ولفت إلى أن الوزارة تدرس سيناريوهات بديلة لتجاوز تلك العقبات، وستعلن لاحقًا تفاصيل الآلية وشكل الامتحان، لا سيما أن آلاف الطلبة في غزة حُرموا من التقدم لامتحانات الثانوية العامة في دورتي 2024 و2025 بسبب العدوان.

وشدد على أن الوزارة ملزمة بعقد دورة خاصة لطلبة غزة حال توفرت الظروف، وضمان حقهم الأساسي في تقديم الامتحانات وعدم حرمانهم من مستقبلهم الدراسي.

*الإطار القانوني والدولي*

ويعتبر التعليم أحد الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي، ويعد حجر الزاوية في تنمية الأفراد والمجتمعات، فقد نصت المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن "لكل فرد الحق في التعليم، ويجب أن يكون التعليم موجهاً نحو تنمية الشخصية الإنسانية وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية". 

كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في مادته 13 على أن "لكل شخص الحق في التعليم، وأن يكون التعليم الابتدائي إلزاميًا ومتاحًا مجانًا للجميع، ويجب أن يكون التعليم الثانوي والتقني متاحًا على قدم المساواة".

هذه المواد تؤكد على أن التعليم ليس مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، بل هو حق أساسي لتعزيز الكرامة الإنسانية وتمكين الأفراد من المشاركة الفاعلة في مجتمعهم.

ووفقًا للقانون الدولي، فإن حرمان المدنيين، وبخاصة الأطفال، من التعليم يشكّل انتهاكًا لحقوق الإنسان. ومن هنا تقع على عاتق المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية، مسؤولية توفير بدائل تعليمية آمنة وفعالة.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال المدارس المؤقتة، والتعليم عن بعد، أو برامج الدعم النفسي والتعليمي، لضمان استمرار حق الطلاب في التعلم رغم ظروف الحرب والدمار.

ختاما، إن الحق في التعليم ليس مجرد مادة قانونية على الورق، بل هو ركيزة أساسية لحماية الإنسان وكرامته. وفي غزة اليوم، يُختبر هذا الحق على أرض الواقع، حيث يقف آلاف الطلاب أمام تحدٍ مباشر بين استمرار التعلم والحياة وسط الخراب والاحتلال، ما يجعل دعم التعليم في الظروف الطارئة واجبًا إنسانيًا وقانونيًا على الجميع.

623523-إجراء-امتحانات-لطلاب-غزة-داخل-القطاع.jpg
GAZAED.jpg
GettyImages-2169529772-1725877402.jpg
gaza-school-3-1744395618.jpg
thumbs_b_c_dce5ee3bef41a2640773b88853a464ce.jpg
 

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة