تقرير - شهاب
تحت وطأة أزمة خدمية خانقة، توجه مواطنو مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، اليوم السبت، إلى صناديق الاقتراع لاختيار مجلس بلدي جديد.
وتأتي هذه الانتخابات في وقت تبدو فيه المدينة وكأنها تحاول التنفس من ثقب إبرة، إذ لا يزال الاحتلال يرفض إدخال المواد الأساسية ومعدات الإعمار، ضاربا بعرض الحائط بنود اتفاق وقف إطلاق النار التي نصت على تسهيل تدفق المساعدات الإغاثية والطبية ومواد البناء.
داخل أحد مراكز الاقتراع، يقلب كامل الأقرع (41 عاماً) أوراق المرشحين بتركيز، لكنه لا يخفي واقعيته، يقول كامل: "نحن هنا لنقوم بواجبنا، ومن الجيد أن هناك جهودا أمنية واضحة لتأمين الناس وحمايتهم في هذا اليوم، لكننا لا نعيش في أحلام؛ الصندوق لن يدخل لنا الإسمنت أو يصلح شبكات الصرف الصحي المعطلة إذا استمر الاحتلال في تعنته، نحن نختار مرشحين ليحملوا عنا هم التواصل والمتابعة، لا لننتظر منهم معجزات في مدينة محاصرة".
ويضيف كامل في حديثه لـ (شهاب): "شاهدنا كيف دفع موظفو البلدية ورئيسها الراحل حياتهم ثمنا وهم يحاولون فتح شارع أو إصلاح خط مياه وسط القصف، وهذا يجعلنا ندرك أن المهمة ليست سهلة، المجلس القادم يرث أزمة ثقيلة جدا، والوفاء لمن استشهد من كوادر البلدية يكون باختيار الأصلح الذي يقدر حجم هذه التضحية، بعيدا عن أي شعارات حزبية لا تطعم أحدا في هذا الوقت الصعب".
على الجانب الآخر من الساحة، يراقب الشاب محمود حجو (33 عاماً) المشهد بشيء من العتاب الجغرافي، يقول محمود: "فرحتنا منقوصة، فدير البلح جزء من كل، وكنت أتمنى أن أرى هذه الصناديق في غزة والشمال وخان يونس أيضا، الانتخابات حق للجميع، وحصرها هنا يجعلك تشعر بوجود فجوة في المساواة بين البلديات؛ فالوجع واحد والاحتياج واحد، والعدالة تتطلب أن يختار كل مواطن من يخدمه دون استثناء لمدينة عن أخرى".
ويستطرد حجو قائلا: "أكثر ما نتمناه هو أن تكون هذه الانتخابات جسرا للوحدة الوطنية، لا سببا في زيادة الفرقة أو تكريس الانقسام، نحن بحاجة لمؤسسة بلدية مهنية تجمع الناس ولا تفرقهم على أساس الانتماء، لأن القمامة في الشوارع لا تعرف لونا سياسيا، وحل أزماتنا يحتاج لجهد وطني شامل يتجاوز الخطابات الضيقة التي سئمنا منها لسنوات طويلة".
أما المواطن ربحي بركة (52 عاما)، فيقول لـ (شهاب): "رغم أننا نعلم أن الاحتلال يمنع عنا كل شيء، إلا أن فتح المجال للناس لتقول رأيها وتختار من يمثلها هو بحد ذاته أمر محترم ويشعرنا أن صوتنا له قيمة".
ويكمل ربحي "بصراحة، لا نتوقع أن تتغير حياتنا غدا بمجرد التصويت، فنحن ندرك أن الإمكانيات صفر والمعدات مهترئة، لكننا نريد وجوها شابة تشبهنا، تقدر على ابتكار حلول ولو بسيطة للتخفيف من معاناة النازحين الذين ضاقت بهم المدينة، المسؤولية اليوم ليست مجرد منصب، بل هي مخاطرة كبيرة في ظل حصار لا يرحم أحدا، والناس ستحاسب المجلس الجديد على صدقه لا على وعوده".
وبالقرب من صناديق الاقتراع، يتحدث محمود أبو عمرة (23 عاماً) عن واقع الخدمات الذي يمثل التحدي الأكبر، يقول محمود: "المجلس السابق اجتهد في ظل عدوان وحصار خانق، ونحن لا ننكر فضل من عمل تحت النار، لكن اليوم الانتخابات يجب أن تكون وسيلة لضخ دماء جديدة قادرة على مواجهة المرحلة القادمة بكل تعقيداتها، الناس في دير البلح صابرة، لكن صبرها يحتاج لمن يقدره ويخدمه بعدل ودون تحيز".
وينهي أبو عمرة كلامه قائلا: "أكبر خطر يواجهنا هو أن تتحول البلدية لساحة مناكفات فصائلية؛ نحن نرفض أي لغة تزيد من انقسامنا، نريد مجلسا بلديا قويا يقف في وجه الحصار ويطالب بحقوق المدينة، ويدرك أن نجاحه مرتبط بمدى توفير قطرة ماء نظيفة أو تمهيد طريق فرعي، وهي مهام قد تبدو بسيطة لكنها في غزة عام 2026 تمثل قمة التحدي والمسؤولية الوطنية".
يُشار إلى أن آخر مرة أُقيمت فيها انتخابات بلدية في مدينة دير البلح تعود إلى عام 2005، أي قبل ما يزيد عن عقدين من الزمن، وهي الفترة التي شهدت آخر انتخابات محلية شاملة ومنتظمة في قطاع غزة.
ومنذ ذلك الحين، تعاقبت على إدارة البلدية مجالس ولجان معينة، حالت الظروف السياسية والأمنية المعقدة وتبعات تعنت السلطة الفلسطينية بإجراء الانتخابات، وصولا إلى سنوات الحرب والحصار المريرة، دون إجراء أي استحقاق انتخابي يتيح للأجيال الشابة المشاركة في اختيار ممثليها.
