تقرير لماذا يقاتل "نيكولاي ميلادينوف" الغزيين نيابةً عن نتنياهو؟

تقرير / شهاب

تتزايد حدة الجدل في الساحة الفلسطينية حول الدور الذي يقوم به الممثل السامي لما يُعرف بـ"مجلس السلام" في غزة نيكولاي ميلادينوف، في ظل طروحات سياسية متتابعة تربط بين ترتيبات إعادة الإعمار وملف نزع سلاح الفصائل، ضمن مسار تفاوضي معقّد يحيط بمرحلة ما بعد الحرب في القطاع.

ويأتي هذا الجدل في وقت يشهد فيه مسار وقف إطلاق النار تعثرًا متكررًا، وتباينًا واسعًا في تفسير بنود الاتفاقات السابقة، وسط اتهامات فلسطينية لإسرائيل بعدم الالتزام بالتعهدات المتعلقة بالمرحلة الأولى، بما في ذلك إدخال المساعدات ووقف الخروقات الميدانية.

يعود اسم نيكولاي ميلادينوف إلى الواجهة السياسية في غزة من جديد، ليس بوصفه مبعوثًا أمميًا سابقًا، بل كفاعل في مسار تفاوضي جديد يرتبط بترتيبات سياسية وأمنية تتعلق بمستقبل القطاع.

دون شروط مسبقة

في صلب الجدل الدائر، يبرز الطرح المتعلق بربط إعادة إعمار قطاع غزة بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو ما تعتبره فصائل المقاومة مساسًا مباشرًا بالتوازنات السياسية القائمة.
وتقوم بعض المقترحات المتداولة على مبدأ "سلطة واحدة وسلاح واحد"، إلى جانب ترتيبات تدريجية لإعادة الإعمار في مناطق يتم التحقق من أوضاعها الأمنية، بالتوازي مع انسحاب "إسرائيلي" تدريجي وفق تفاهمات مرحلية.

هذا الربط بين الإعمار ونزع السلاح شكّل نقطة خلاف مركزية، إذ تذهب تقديرات فلسطينية إلى أن الأولوية يجب أن تتركز على وقف الحرب ورفع الحصار وبدء الإعمار دون شروط مسبقة.

تذهب تقديرات في السياق الفلسطيني، من بينها موقف حركة "حماس"، إلى رفض محاولات ربط إعادة إعمار القطاع بملف نزع سلاح المقاومة، معتبرة أن هذه الطروحات تمثل انحيازًا واضحًا للاحتلال، ومحاولة لإعادة صياغة مسار الاتفاقات القائمة.

وفي هذا السياق، تذهب التقديرات نفسها إلى أن الطروحات التي قدمها نيكولاي ميلادينوف بشأن مستقبل غزة، والتي تتضمن ترتيبات إدارية وأمنية وإمكانية إدخال قوات أو لجان دولية، إلى جانب ربط الإعمار بملف السلاح، "تتعارض مع الاتفاقات الموقعة وقرارات دولية ذات صلة، وتخرج عن روح التفاهمات التي جرى التوصل إليها".

كما تذهب إلى أن هذه الطروحات "تتجاهل حقيقة أن الاحتلال لم يلتزم بتنفيذ التزاماته في المرحلة الأولى من أي اتفاق، ولم يقدم ضمانات حقيقية للمرحلة التالية"، معتبرة أن إعادة طرح شروط إضافية على الجانب الفلسطيني تمثل اختلالًا في ميزان الالتزامات.

وفي السياق نفسه، يتهم باسم نعيم القيادي فى حركة حماس ميلادينوف بتبني خطاب ينقل رواية الاحتلال السياسية والأمنية، بدلًا من القيام بدور الوسيط المحايد، مشيراً إلى أن التركيز على ملف نزع السلاح يأتي في سياق يهدد بإعادة إنتاج حالة الحرب بدل إنهائها.

وتذهب هذه التقديرات إلى أن استمرار الخروقات الميدانية خلال الفترة الماضية، والتي أسفرت عن سقوط مئات الشهداء، إضافة إلى تعطيل إدخال المساعدات الإنسانية وإغلاق المعابر، يعكس – بحسب تعبيرها – غياب الالتزام الحقيقي ببنود التهدئة، وهو ما يجعل الحديث عن شروط إضافية لإعادة الإعمار غير مقبول.

معلّقة بقرار سياسي

وفيما يتعلق بالتصورات المطروحة لمستقبل القطاع، تشير تقديرات في السياق الفلسطيني إلى أن ربط إعادة الإعمار بما يُسمى "التحقق الأمني" أو "توحيد السلاح تحت سلطة واحدة" يمثل، من وجهة نظرها، محاولة لفرض ترتيبات سياسية وأمنية مسبقة قبل إنهاء تداعيات الحرب.

من جانب آخر، يذهب الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة إلى أن ما يجري في ملف غزة لم يعد يمكن قراءته في إطار "الوساطة التقليدية" أو إدارة التهدئة، بل بات يعكس تحولًا وظيفيًا في طبيعة الدور الدولي، حيث انتقل المسار من التركيز على البعد الإنساني العاجل إلى إدارة أزمة تُستخدم فيها الاحتياجات الأساسية كأداة ضغط داخل مسار تفاوضي أوسع.

ويرى عفيفة أن سلوك نيكولاي ميلادينوف في هذا الملف يعكس هذا التحول بوضوح، إذ لم يعد الحديث يدور فقط حول وقف التصعيد أو تحسين الظروف المعيشية، بل بات مرتبطًا بإعادة ترتيب الأولويات بما يجعل الملفات الإنسانية جزءًا من معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا، وليس استجابة مستقلة للكارثة الإنسانية في قطاع غزة.

ويضيف أن الإشكالية الأساسية لم تعد في غياب الحلول أو نقص المقترحات، بل في تعطيل ما هو قابل للتنفيذ على الأرض، مشيرًا إلى أن هناك ملفات خدمية ولوجستية جاهزة بالفعل، لكنها تبقى معلّقة بقرار سياسي لا علاقة له بالجانب الفني أو الإنساني.

وفي هذا السياق، يشير عفيفة إلى أن محطة توليد الكهرباء في غزة مثال واضح على ذلك، موضحًا أن البنية التشغيلية والخطوط الفنية جاهزة، وأن الاحتياج واضح ومباشر، إلا أن قرار التشغيل ما يزال مؤجلًا، ليس لأسباب تقنية، بل لأن الملف لم يُستخدم بعد ضمن السياق التفاوضي بالشكل الذي يراه البعض مناسبًا، ما ينعكس استمرارًا لأزمة الكهرباء كأداة ضغط يومية على السكان.

وفي ملف النفايات، يرى عفيفة أن المشهد أكثر خطورة، حيث يحتاج القطاع إلى تشغيل عشرات الشاحنات بشكل يومي ولسنوات محددة للتعامل مع التراكم الكبير، رغم وجود أراضٍ مخصصة وخطط تشغيل جاهزة، إلا أن الوصول إلى مناطق التفريغ، وعلى رأسها مناطق محددة مثل "صوفا"، ما يزال معطّلًا بقرار غير معلن، ما يفاقم المخاطر البيئية والصحية ويحوّل الأزمة إلى حالة مستمرة من التدهور.

إعادة هندسة واقع

ويضيف عفيفة أن الأمم المتحدة تحاول العمل ضمن هامش ضيق للغاية عبر التنسيق مع الأطراف المختلفة، بما فيها الهيئات الفنية والتكنوقراط، إلا أن خطتها الإنسانية لعام 2026، والتي تقدر بحوالي 4 مليارات دولار، لم يُموَّل منها سوى نسبة محدودة، ما يجعل التدخلات الحالية أقرب إلى إدارة أزمة مستمرة وليس إلى حل جذري لها.

و يرى عفيفة أنه في الوقت الذي يفترض فيه أن تُدفع الملفات الإنسانية العاجلة إلى الواجهة، مثل الكهرباء والوقود والنفايات والإغاثة، يظهر تركيز متزايد على ملف نزع سلاح المقاومة، وهو ما يراه — من زاوية تحليلية — يعكس إعادة ترتيب للأولويات، بحيث تنتقل المعادلة من "إنقاذ حياة" إلى "إعادة هندسة واقع سياسي وأمني".

ويشير إلى أن هذا التحول لا يبدو عشوائيًا، بل يرتبط بنمط متكرر يقوم على تأخير متعمد في الملفات الإنسانية مقابل تسريع الضغط في الملفات السياسية الحساسة، وهو ما يؤدي عمليًا إلى استخدام الاحتياجات الأساسية للسكان كرافعة غير مباشرة في مسار التفاوض.

ويؤكد عفيفة أن طبيعة الدور هنا تتغير تدريجيًا، إذ لم يعد الوسيط وسيطًا محايدًا يوازن بين الأطراف، بل أصبح، وفق هذا المسار، طرفًا يشارك في إعادة صياغة قواعد اللعبة، من خلال تأجيل ما يمكن تنفيذه فورًا، مقابل تقديم ما يُراد فرضه كأولويات لاحقة.

وتابع أن النتيجة النهائية لهذا المسار هي أن غزة لم تعد تعيش مرحلة وقف إطلاق نار بالمعنى التقليدي، بل دخلت في مرحلة "إدارة ضغط بطيء"، تُستخدم فيها أبسط تفاصيل الحياة اليومية — من الكهرباء إلى الوقود وحتى إدارة النفايات كجزء من معادلة تفاوض ممتدة.

من جانب آخر، يذهب صلاح عبد العاطي رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، إلى أن ما يجري في ملف غزة لم يعد يمكن فهمه ضمن إطار الوساطة التقليدية أو حتى إدارة الأزمات، بل بات يعكس — وفق قراءته — تحولًا خطيرًا في وظيفة بعض الفاعلين الدوليين، وفي مقدمتهم نيكولاي ميلادينوف، من دور الوسيط إلى دور يشارك فعليًا في صياغة شروط الضغط السياسي والأمني على الأرض.

ويرى عبد العاطي أن الخطاب الدولي المتداول حول غزة لم يعد ينطلق من أولوية إنقاذ الحياة أو وقف الانهيار الإنساني، بل من إعادة ترتيب مسبقة للأولويات، بحيث يُقدَّم ملف نزع السلاح كمدخل إجباري، بينما تُؤجَّل ملفات الإعمار والخدمات الأساسية إلى مراحل لاحقة غير مضمونة.

ويضيف أن هذا التحول لا يمكن قراءته كمسار تقني أو تفاوضي محايد، بل كإعادة تعريف لطبيعة الدور الدولي نفسه، حيث تتحول الوساطة — بحسب تعبيره — من مساحة لتقريب وجهات النظر إلى أداة لإنتاج شروط سياسية جاهزة للتنفيذ.

"فرض الإيقاع السياسي"

ويرى عبد العاطي أن ما يطرحه ميلادينوف في سياق الملفات المطروحة حول غزة يعكس انتقالًا من منطق "تيسير الحلول" إلى منطق "فرض الإيقاع السياسي"، موضحًا أن ربط الإعمار ونفاذ الاحتياجات الأساسية بشروط أمنية مسبقة يعيد تشكيل جوهر العملية التفاوضية بالكامل.

ويشير إلى أن المعادلة التي تُطرح اليوم تقوم على مبدأ واضح: تقديم التزامات فلسطينية جوهرية أولًا، مقابل وعود مستقبلية غير ملزمة لاحقًا، وهو ما يخل بتوازن أي عملية تفاوضية ويحوّلها إلى عملية ضغط تدريجي.

ويقول إن هذا النمط من الطرح لا يترك مساحة لمرحلة انتقالية متوازنة، بل يدفع باتجاه إعادة ترتيب الواقع على الأرض قبل أي اتفاق سياسي شامل.

ويؤكد عبد العاطي أن الإشكالية الأخطر في غزة اليوم ليست غياب الحلول، بل تعطيل ما هو ممكن تنفيذه فورًا، في سياق يبدو وكأنه إدارة مقصودة للإيقاع الإنساني.
ويشير عبد العاطي إلى أن الطروحات المرتبطة بإدارة غزة في المرحلة المقبلة لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل تمتد إلى إعادة هندسة منظومة الحكم نفسها، عبر ترتيبات انتقالية تُبنى على اشتراطات أمنية صارمة.

ميلادينوف لا يدير

ويضيف أن هذا التوجه يعكس انتقالًا من إدارة "ما بعد الحرب" إلى محاولة رسم شكل "ما قبل الاستقرار"، حيث تُحدد معايير الحكم والإدارة وفق اعتبارات أمنية قبل أن يُحسم المسار السياسي.

وفي سياق متصل، يرى عبد العاطي أن الأطر الدولية المطروحة لإدارة ملف الإعمار، ومنها ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، لم تتحول إلى أدوات تنفيذ فعالة، بل بقيت هياكل سياسية فضفاضة تُستخدم لتأجيل التنفيذ أكثر من دفعه.

ويخلص عبد العاطي إلى أن المحصلة النهائية لهذا المسار هي انتقال غزة من مرحلة "إدارة الأزمة" إلى مرحلة "إدارة الضغط البطيء"، حيث يتم التحكم بإيقاع الحياة اليومية، منوهاً أن الوسيط لم يعد وسيطًا بالمعنى التقليدي، بل أصبح جزءًا من بنية إنتاج الشروط التي تُعاد عبرها صياغة مستقبل غزة.

في المحصلة، تذهب التقديرات الفلسطينية أن الطروحات المرتبطة بإعادة إعمار غزة، تكشف انحيازًا واضحًا في وظيفة الوساطة الدولية، من دور يفترض أن يضغط لوقف الحرب وإنهاء الحصار ومعالجة الكارثة الإنسانية، إلى دور يعيد إنتاج الأولويات الإسرائيلية ذاتها عبر تقديم ملف نزع سلاح المقاومة والترتيبات الأمنية على ما عداه.  ومن هنا يمكن القول ان ميلادينوف لا يدير وساطة محايدة، بل يخوض سياسيًا معركة الضغط على غزة نيابة عن حكومة نتنياهو، عبر تمرير ما عجزت الحرب عن فرضه .

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة