تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة عبر تنفيذ عمليات قصف جديدة أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى، إذ شنت طائرات الاحتلال فجر الخميس غارات استهدفت حيي التفاح والشجاعية شرقي مدينة غزة وشرق دير البلح وسط القطاع وشرق خانيونس جنوبا، فيما لا يزال جيش الاحتلال يلاحق المقاومين المحاصرين في رفح.
ويأتي هذا التصعيد في ظل حالة من الغموض التي لا تزال تحيط بموعد بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، رغم الاجتماعات السياسية التي عُقدت في القاهرة قبل يومين بمشاركة الوسطاء والدول الضامنة والولايات المتحدة لبحث آليات التنفيذ والتجاوزات المسجلة ميدانيًا.
وفي السياق ذاته، برز ملف مقاتلي كتائب القسام العالقين داخل ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في رفح جنوبي القطاع كأحد أكثر الملفات حساسية، بعدما أعلن الاحتلال اعتقال وقتل عدد منهم.
حركة حماس وصفت ما يجري بأنه "خرق صريح" للاتفاق، مؤكدة في بيان لها أن الاحتلال "يرتكب جريمة وحشية عبر ملاحقة وتصفيات ميدانية للمقاتلين المحاصرين في الأنفاق"، معتبرة أن ذلك يشكل محاولة متعمدة لـ"تقويض الاتفاق ومنع استكمال مسار التهدئة".
وأضافت الحركة في بيان وصل وكالة شهاب، أنها أبلغت الوسطاء بما وصفته بـ"الخروقات الخطيرة"، وطالبتهم بالتحرك لضمان وقف الانتهاكات والالتزام ببنود الاتفاق، محذرة من أن استمرار هذا السلوك "يهدد بانهيار كامل لمسار التهدئة" ويكشف عن "نية إسرائيلية مسبقة لإفشال الاتفاق واستغلال الظروف الإنسانية القاسية لفرض وقائع جديدة في الميدان".
انتهاكات ممنهجة
وفي مقابل هذه الاتهامات والتحذيرات، يؤكد مركز غزة لحقوق الإنسان أن الاحتلال ارتكب خلال الأسابيع السبعة الماضية انتهاكات ممنهجة ومتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار وسط صمت دولي مريب.
وأوضح المركز في بيان وصل وكالة شهاب الخميس، أن طواقم المراقبة الميدانية وثقت خروقات شبه يومية منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تشمل القصف الجوي والمدفعي، التوغلات العسكرية، استهداف المدنيين، ومنع الحركة وتقييد دخول المساعدات.
وأشار المركز إلى أنه خلال 47 يومًا فقط أسفرت هذه الخروقات عن استشهاد 350 فلسطينيًا، بينهم 198 من الفئات الأكثر ضعفًا من الأطفال والنساء وكبار السن بنسبة بلغت 56.6%، إضافة إلى 889 مصابًا. وأكد أن 130 طفلًا و54 امرأة و14 مسنًا كانوا ضمن الضحايا، وأن معظم الاستهدافات وقعت داخل المناطق المصنفة آمنة ضمن "الخط الأصفر".
هدنة تدار بالقوة
ويرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن هذه الوقائع الميدانية تكشف بوضوح أن الاحتلال لم يتعامل مع وقف إطلاق النار كاتفاق ملزم، بل كمرحلة انتقالية لإعادة تشكيل المشهد العسكري والجغرافي في القطاع.
ويقول عفيفة في حديث خاص لوكالة شهاب، إن الاحتلال نجح في تحويل الاتفاق من حالة توقف شامل للنار إلى "هدنة تُدار بالقوة"، موضحًا أن تسجيل أكثر من 535 خرقًا ناريًا منذ بدء الاتفاق بمعدل يفوق 11 خرقًا يوميًا يؤكد غياب أي التزام فعلي أو نية صادقة لتطبيق الاتفاق كما نصت عليه المرجعيات الدولية.
ويضيف عفيفة أن الاحتلال تجاوز أيضًا أحد البنود الجوهرية في المرحلة الأولى من خطة ترامب والمتمثل في الانسحاب التدريجي، إذ لم يلتزم بخريطة الانتشار الجديدة، بل تقدّم ميدانيًا ووضع مكعبات إسمنتية خارج الخط الأصفر لمسافات تراوحت بين 400 و1000 متر، كما فرض سيطرة نارية تمتد حتى 1600 متر شرقًا، بالتوازي مع تدمير واسع للبنية السكنية والممتلكات في المناطق المستهدفة.
أما على الصعيد الإنساني، فيؤكد أن الاحتلال استغل الملف الإغاثي كأداة ابتزاز سياسي، إذ يعلن إدخال 26 ألف شاحنة مساعدات، بينما تظهر السجلات الميدانية دخول 9,930 شاحنة فقط، بمعدل لا يتجاوز 211 شاحنة يوميًا بدلًا من 600 كما نص الاتفاق، في حين لم تتجاوز شحنات الوقود 247 شاحنة منذ بدء التنفيذ، إلى جانب منع دخول الخيام والكرفانات والمستلزمات الطبية الضرورية لإعادة تشغيل المرافق الحيوية.
ويشير عفيفة إلى أن استمرار إغلاق معبر رفح، وامتناع الاحتلال عن الكشف عن مصير المعتقلين والمفقودين، يشكل خرقًا مباشرًا للترتيبات الرقابية الخاصة بالاتفاق، والتي يفترض أن تضمن الشفافية وآليات المتابعة الدولية.
ويختتم تحليله بالقول إن التطورات الميدانية والسياسية تُظهر أن الاحتلال لا يسعى إلى تثبيت الهدوء أو تخفيف الأزمة الإنسانية، بل إلى تثبيت واقع جديد على الأرض.
وعقب عفيفة على الانتهاكات الإسرائيلية قائلا: "إنها هدنة تُدار بالنار لا بالاتفاق… والمرحلة الأولى من خطة ترامب انتهت قبل أن تبدأ فعليًا."
