خاص _ شهاب
بين الركام وتحت أزيز الطائرات ومن خيمة نزوح إلى خيمة أخرى، لم يكن طلبة الثانوية العامة في غزة يدرسون فصولهم فقط، إنما كانوا يكتبون فصولًا من الصمود.
في زمن الحرب القاسية، تحوّلت قاعات الدراسة إلى خيام، وتحولت الكتب إلى بارقة أمل وسط دخان القصف، بعضهم ذاكر في مراكز الإيواء، وآخرون على ضوء كشافات الإنارة الصغيرة في بيوت بلا نوافذ أو سقوف، وكثيرون حملوا كتبهم في رحلة النزوح من حيّ إلى آخر.
رغم المأساة الكبيرة التي لاحقت طلبة الثانوية العامة عام 2007، جاءت النتائج لتقول إنهم نجحوا، وتفوّقوا، وأثبتوا أن الإرادة أقوى من الحرب، غزة التي عاشت الألم عامين كاملين، اليوم يزور الفرح ديارها رغم الألم.
عام استثنائي
في عام دراسي استثنائي أثقلته الحرب وظلال الفقد، يروي الطالب مصعب أبو نعمة حكايته مع امتحانات الثانوية العامة التي جاءت هذا العام مختلفة عن كل الأعوام الماضية.
يقول مصعب لوكالة "شهاب" للإنباء، إن الظروف التي عاشها كانت عصيبة إلى حد يفوق الاحتمال، فالحرب أخذت منهم البيت، وخطفت والده الشهيد، ودفعتهم للنزوح المتكرر، ومع ذلك، ظل الأمل بابًا صغيرًا يضيء الظلام.
لم يكن لدى مصعب وأقرانه مدارس يلجؤون إليها، ولا معلمين يسألونهم حين يستصعبون دروسهم، كانوا يدرسون تحت القصف، وبين الخيام، وفي أي زاوية آمنة يجدونها ولو لدقائق، ورغم هذا الواقع القاسي، استطاع مصعب أن يتجاوز التحديات معتمدًا على نفسه، مؤمنًا بأن قدر الله أعظم من الألم، وبأن المثابرة قادرة على صناعة المستحيل.
ويصف مصعب لحظة النجاح بأنها لحظة لا يمكن للكلمات احتواؤها، هي فرحة عظيمة لكنها منقوصة، تفتقد وجود والده، وتُثقلها الذكريات الموجعة التي رافقت طريقه، لكنه يؤكد أن كل هذا الألم تحول اليوم إلى قوة تدفعه نحو مستقبل أفضل، وأن هذا الإنجاز لم يكن مجرد نجاح، بل انتصار على الظروف.
أما والدته إيمان أبو نعمة، فبكلمات يختلط فيها الفخر بالدمع، تقول: "الحمد لله الذي أسعد قلوبنا بتفوق ابني مصعب في امتحانات الثانوية العامة، فلله الحمد والمنة".
وتصف ابنها بأنه الشاب المهذب المطيع الموهوب، الحنون على أخواته، والذي حمل مسؤولية البيت على كتفيه بعد استشهاد والده، ليصبح سندًا لهم رغم صغر سنه وقسوة المحنة.
وتؤكد الأم لوكالة "شهاب" أن قصة مصعب ليست مجرد قصة نجاح دراسي، إنما رواية صمودٍ إنسانيٍّ عميق، لشاب تحدّى الخوف والنزوح والفقد، وتمكّن من الوقوف من جديد ليبدأ رحلة جامعية جديدة، رحلة تحمل معها حلمًا بأن يتحول هذا الجهد إلى مستقبل آمن يليق بتضحيات عائلته وكل من فقدوا أحباءهم في هذه الحرب.
نجاح رغم الإصابة
وسط ركام الحرب وظلال الإبادة الجماعية التي عاشها قطاع غزة، يبرز الطالب أحمد أبو شرخ نموذجًا حيًا للإصرار وقدرة الإنسان على تحدي المستحيل كما غيره من طلاب قطاع غزة، فبرغم إصابته في الأيام الأولى للحرب وما رافقها من نزوح وقصف متواصل، رفض أحمد أن يستسلم، وتمسّك بحلمه في إكمال دراسته الثانوية.
يقول أحمد لوكالة "شهاب" للأنباء، "رغم إصابتي، ووسط الظروف القاسية التي واجهتها، واصلت الدراسة ولم أتوقف لحظة".
ويؤكد أبو شرخ أن امتحانات الثانوية العامة لهذا العام كانت مختلفة تمامًا عن كل الأعوام السابقة، إذ اضطر الطلاب للاعتماد على أنفسهم بشكل شبه كامل في ظل غياب المدارس والمعلمين، فلجؤوا إلى الدروس الخصوصية على قدر ما تسمح به الظروف، فقط من أجل الوصول إلى خط النهاية وانتزاع شهادة الثانوية العامة.
ورغم كل ما مرّ به، نجح أحمد في تحقيق معدل 77%، معدل يراه "انتصارًا" قبل أن يكون رقمًا، يقول بثقة: "أنا راضٍ عن نتيجتي، فقد أصبت في بداية الحرب، وتغلبت على الإصابة والنزوح والخوف والقصف، وبفضل الله استطعت أن أنجح".
ويختتم أبو شرخ حديثه بكلمات تعبّر عن صلابة الغزيين، "ابن غزة لا يعرف اليأس، عشنا حرب إبادة، ولم يكن أحد يعلم إن كان سيعيش أم يموت، لكن الله كتب لنا الحياة، ونجحنا بحمده".
فرح رغم الحزن
وفي زوايا مخيم الشاطئ، امتزجت أصوات الزغاريد بضحكات الأطفال الذين وجدوا في هذه اللحظة متنفسًا نادرًا بعد واقع أثقلته الحرب، مشاهد الفرح العفوي كانت تتصدر المشهد؛ شباب يرفعون الناجحين على أكتافهم، وآخرون يطلقون المفرقعات البسيطة المتوفرة، فيما تتبادل العائلات التهاني على أبواب منازلها المتهالكة.
الطالب أنس الأسود الحاصل معدل 83% قال إنه رغم أن الدمار لا يزال حاضرًا في كل زاوية من المخيم، إلا أن نجاح طلبة الثانوية العامة أعاد شيئًا من الحياة إلى شوارعه الضيقة، مؤكدًا أن إرادة لدى أبناء غزة أقوى من كل الظروف.
وشدد الأسود في حديثه لـ "شهاب"، على أن هذا التفوق ليس مجرد علامة فارقة في مسيرته الشخصية فحسب، إنما رسالة صمود يوجهها أبناء غزة للعالم بأسره، فكل درجة حصلوا عليها كانت وليدة ليالٍ طويلة من السهر تحت أصوات القصف، ومذاكرة متنقلة بين مراكز الإيواء وبيوت الأقارب.
وختم حديثه قائلًا: "الحمد الله على نعمة النجاح بعد الحرب، الحمد الله الذي كتب لي ولعائلتي النجاة بعد حرب صعبة ومؤلمة، الحمد الله على نعمة الفرح".
وبين فرحة الطلاب وتمنيات الأهالي، يبقى نجاح الثانوية العامة هذا العام شهادة جديدة على قوة الروح الغزية، وقدرتها على تحويل الألم إلى أمل، والدمار إلى بداية جديدة.
