صفعة من الجنوب السوري.. مقاومة وصمود "بيت جن" يفشل التوغل الإسرائيلي ويكسر الهدوء الموهوم

صفعة من الجنوب السوري.. مقاومة وصمود "بيت جن" يفشل التوغل الإسرائيلي ويكسر الهدوء الموهوم

تقرير _ شهاب 

شهدت بلدة بيت جن في ريف دمشق فجر الجمعة مواجهة عنيفة بين قوات الاحتلال الإسرائيلي ومواطنين سوريين تصدّوا لمحاولة اقتحام مفاجئة، في حادثة وصفت بأنها من أبرز مشاهد الصمود الشعبي خلال الأشهر الأخيرة في الجنوب السوري.

وبحسب مصادر محلية، فقد بدأت العملية عندما توغلت قوة إسرائيلية خاصة داخل محيط البلدة بهدف تنفيذ اعتقالات، قبل أن تواجه مقاومة من سكان البلدة ومقاتلين محليين تحركوا سريعًا للتصدي للقوة المقتحمة. 

ودارت اشتباكات مباشرة في الأزقة والطرقات، ما دفع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى طلب تغطية جوية ومدفعية لإسناد قواته وتأمين انسحابها.

وأسفرت العملية والقصف الذي رافقها عن ارتقاء شهداء مدنيين سوريين، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى دمار في عدد من المنازل ونزوح بعض العائلات بشكل مؤقت خشية تجدّد الاستهداف، كما أصيب جنود إسرائيليين خلال الاشتباكات قبل انسحاب القوات المتوغلة من المنطقة.

وروى أحد سكان بلدة بيت جن أحمد كسحوت، تفاصيل اللحظات الأولى للقصف الذي طال منزله فجر اليوم، قائلا "قبل الفجر بقليل سقطت قذيفة مدفعية على منزلي وأصابت إحدى الغرف بشكل مباشر، وبدأ الزجاج يتكسر وتسقط بعض رفوف المطبخ، وانتشر الغبار في أرجاء المنزل، وبدأ أطفالي الثلاثة بالصراخ من شدة الخوف، وكنا نشعر أننا سنفقد حياتنا في أي لحظة".

واضطر كسحوت لإخلاء المنزل على الفور، وحمل أطفاله للخروج باتجاه أحد المنازل القريبة يحتوي على قبو للاختباء من القصف المستمر، ثم غادروا مع بداية شروق الشمس إلى منطقة مزارع بيت جن حيث تقطن إحدى شقيقاته بحثا عن مكان آمن، تاركا كل شيء خلفه.

وبعد أن شهدت البلدة حالة من الهدوء وتوقف القصف، صلّى الأهالي على ذويهم الضحايا في إحدى الساحات، ثم شيعوهم ومواراتهم الثرى، وبعد الانتهاء من الدفن، عاد الأهالي إلى ساحة البلدة معلنين عن عزاء جماعي، وبدؤوا بالهتاف ضد الاحتلال الإسرائيلي مؤكدين أنهم لن يسمحوا له بالدخول إلى البلدة.

 

صفعة أمنية لإسرائيل

الكاتب والمحلل السياسي محمد القيق، أكد أن الاحتلال الإسرائيلي تلقى ضربة أمنية قاسية في سوريا، في عملية وُصفت بأنها شكلت تحولًا نوعيًا في ميزان الردع، وكسرت الهيمنة الإسرائيلية في ساحة اعتادت التحرك فيها بهدوء.

وأوضح القيق أن هذه الصفعة أفقدت "إسرائيل" واحدًا من أهم مرتكزاتها في التعامل مع الساحة السورية، وهو عنصر الردع، الأمر الذي سينعكس سلبًا على تحركاتها السياسية والميدانية في عموم المنطقة.

وأشار إلى أن العملية أعادت التأكيد على أن الاحتلال ما يزال يواجه شعبًا لم يُروّض، في وقت تعتبر فيه "إسرائيل" أنها نجحت في فرض نوع من "الاسترخاء الأمني" في هذه المنطقة، ورغم تدريباتها المكثفة لمنع كمائن مماثلة، إلا أن ما جرى كشف هشاشة الإجراءات الأمنية التي تتفاخر بها.

وتابع القيق أن الحادثة تسببت بإحراج دولي واسع لتل أبيب، التي كانت تحاول تثبيت نفوذها في سوريا ضمن صمت دولي نسبي، لكنها باتت اليوم في موضع اتهام لانتهاك سيادة دولة تحظى بدعم دولي في مسار التعافي والاستقرار، وهو ما يُضعف موقفها ويزيد من عزلتها.

وأكد أن ما جرى في سوريا سيترك أثرًا مباشرًا على باقي الساحات، خاصة في ظل اتهامات دولية متصاعدة ضد "إسرائيل" بانتهاك وقف إطلاق النار في لبنان وغزة، وتجاوزها للجهود الدولية في الضفة الغربية، وهذا من شأنه أن يضعف محاولاتها المستمرة لفرض ردع شامل.

ولفت القيق إلى أن "إسرائيل" قد تلجأ إلى تصعيد واسع في أكثر من ساحة للتغطية على فشلها الأمني الأخير، وتحويل الأنظار إلى قضايا خلافية، بدلاً من إجراء مراجعة حقيقية لنهجها العسكري والسياسي في المنطقة.

 

دلالات العملية الإسرائيلية

ومن جانبه، أكد العميد أسعد الزعبي، أن ما جرى في بلدة بيت جن يحمل جملة من الرسائل السياسية والعسكرية المتعمدة، ويتجاوز كونه حادثا أمنيا أو عملية اعتقال كما تحاول إسرائيل إظهاره.

وأضاف الزعبي أن الرسالة الأولى هي تزامن العملية مع مرور عام على انطلاق "معركة ردع العدوان"، وتحمل تأكيدا إسرائيليا بأنها لا تعترف بالواقع السوري الجديد ولا بمرحلة ما بعد سقوط النظام، وأنها بدأت منذ اليوم الأول محاولة إعادة رسم حدود نفوذها داخل سوريا، عبر تحريك شبكات محلية مرتبطة بها.

والرسالة الثانية -وفق الزعبي- هي الرد الإسرائيلي المباشر على رفض الحكومة السورية الجديدة لشروط اتفاق كانت "إسرائيل" تسعى لفرضه، معتبرا أن هذا الرفض يثير قلقا لدى "تل أبيب" لأنه يعني أن "القيادة السورية الحالية ليست مستعدة لتقديم التنازلات التي كان يطمح إليها الاحتلال".

وأشار الزعبي إلى أن الرسالة الثالثة تأتي في سياق التطورات السياسية الأخيرة، إذ تحاول "إسرائيل" عرقلة أي تقارب سوري أميركي، وتوجيه رسالة بأنها غير معنية بموقف واشنطن ولا بقرارات مجلس الأمن، وأنها "ستفرض ما تريده بالقوة العسكرية".

وأشار الزعبي إلى أن الرسالة الثالثة تأتي في سياق التطورات السياسية الأخيرة، إذ تحاول "إسرائيل" عرقلة أي تقارب سوري أميركي، وتوجيه رسالة بأنها غير معنية بموقف واشنطن ولا بقرارات مجلس الأمن، وأنها "ستفرض ما تريده بالقوة العسكرية".

وشدد العميد الزعبي على أن ما جرى "غير منطقي عسكريا" إذا ما قورن بالذريعة الإسرائيلية، قائلا إن استخدام الطائرات وفتح النار بهذا الشكل يؤكد أن العملية مدبرة وليست حادثا أمنيا عابرا.

وأوضح أن "إسرائيل" تعمل منذ فترة على تثبيت نقاط عسكرية تمتد على مساحة تقارب 950 كيلومترا مربعا، انطلاقا من غربي بيت جن باتجاه خان أرنبة، ثم نبع الصخر، وصولا إلى المعلقة وصيدا الحانوت، وهي منطقة تشكل امتدادا طبيعيا لريف القنيطرة الذي تبلغ مساحته نحو 1800 كيلومتر مربع.

ويرى الزعبي أن هذه التحركات تُظهر سعيا إسرائيليا لإعادة ترسيم حدود احتلالها أو فرض اتفاق ضمن هذه المساحة، واعتبر أن ما يجري في البلدة "ليس حدثا عابرا"، مرجحا أن تواصل إسرائيل سياسة الاستفزاز والضغط والتخريب في المنطقة ضمن خطة طويلة الأمد، تهدف إلى "ترسيخ الاحتلال وفرض وقائع جديدة على الأرض".

المصدر : وكالة شهاب

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد

صيغة البريد الإلكتروني خاطئة