كشف مؤرخ فرنسي متخصص في دراسات الشرق الأوسط عن شهادته المباشرة حول عمليات سرقة ونهب المساعدات الإنسانية خلال الحرب الأخيرة على غزة، مؤكدًا أن هناك “أدلة مقنعة تمامًا” على تورط قوات الاحتلال الإسرائيلي في دعم أو تسهيل نهب تلك القوافل.
جان بيير فيليو، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة العلوم السياسية الفرنسية المرموقة (Sciences Po)، أمضى نحو شهر كامل في غزة بين ديسمبر 2024 ويناير 2025، مستضافًا من قبل إحدى المنظمات الإنسانية الدولية في منطقة المواصي، حيث تمكن من متابعة الوضع رغم القيود الصارمة التي فرضتها إسرائيل على دخول المراقبين والصحفيين الدوليين.
في روايته الصادرة حديثًا تحت عنوان “مؤرخ في غزة” باللغتين الفرنسية والإنجليزية، يوثق فيليو مشاهداته حول هجمات الجيش الإسرائيلي على فرق الأمن المكلفة بحماية قوافل المساعدات، والتي سمحت للناهبين بالاستيلاء على كميات كبيرة من الغذاء والإمدادات الأساسية المخصصة للسكان المدنيين، الذين كانوا يواجهون تهديدًا بالمجاعة في أجزاء واسعة من القطاع.
وأشار فيليو إلى حادثة محددة بالقرب من مكان إقامته في المواصي، حيث حاولت الأمم المتحدة اختبار مسار جديد لقوافل الإغاثة لتفادي مناطق تعرف بالنهب المتكرر.
وكانت القافلة تتألف من 66 شاحنة محملة بالدقيق ومستلزمات النظافة، وتحركت من نقطة التفتيش الإسرائيلية في كرم أبو سالم على طول الممر الحدودي مع مصر، ثم شمالًا على الطريق الساحلي الرئيسي، تحت حماية حراس محليين وعائلات نافذة جندتها حركة حماس لتأمين مرورها.
رغم ذلك، تعرضت القافلة لإطلاق نار أدى إلى مقتل عنصرين بارزين كانا مسلحين ومستعدين لحماية الشاحنات، فيما تم نهب نحو 20 شاحنة من الحمولة.
يوضح فيليو أن طائرات استطلاع إسرائيلية كانت تبدو وكأنها تدعم المهاجمين، مما سمح للناهبين بالاستيلاء على الإمدادات، وفق وصفه.
ويرى فيليو أن الهدف من هذه العمليات كان مزدوجًا: تشويه سمعة حماس والأمم المتحدة، والسماح للناهبين بإعادة توزيع أو بيع المساعدات لكسب المال أو توسيع شبكات نفوذهم المحلية، بدلًا من الاعتماد على الدعم المالي الإسرائيلي.
كما أشار المؤرخ إلى أن الجيش الإسرائيلي هاجم طريقًا جديدًا كانت تحاول منظمات الإغاثة الدولية استخدامه لتجنب مناطق الخطر، معتبرًا أن ذلك محاولة متعمدة لتعطيل توزيع المساعدات.
وتابع فيليو في تحليله للموقف العام قائلاً: “كل ما كان قائمًا في القطاع قد مُحي وأُبيد، وتحول معظم غزة إلى أنقاض. أي عملية ناجحة لمكافحة التمرد عبر التاريخ تحتاج إلى موازنة بين العمليات العسكرية والحملة السياسية لكسب القلوب والعقول.
ما يحدث في غزة مأساة عالمية، وهي ليست صراعًا عاديًا في الشرق الأوسط؛ إنه عالم ما بعد الأمم المتحدة، وما بعد اتفاقية جنيف، وما بعد حقوق الإنسان، عالم غير عقلاني وشرس للغاية”.
وقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرًا حول كتاب فيليو، مؤكدة أن شهادته تعتبر من أقوى الروايات الميدانية حول تدهور الأمن ونظام حماية المساعدات الإنسانية في غزة خلال الحرب.
بينما أقرّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل دعمت ميليشيا محلية ضمت بعض الناهبين المعروفين، بهدف تعزيز القوات الشعبية المعارضة لحماس.
تطرح رواية فيليو تساؤلات مهمة حول حماية المدنيين وتوزيع المساعدات الإنسانية في مناطق النزاع، وتلقي الضوء على المخاطر التي تواجهها المنظمات الدولية، وضرورة التحقيق المستقل للتحقق من سلامة توزيع المساعدات وحماية المدنيين في ظل الحروب والصراعات المستمرة.
